كتاب واصل

﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾

"ليس كل ما يُرى يُحب، وليس كل ما يُحب يُرى… فالله إذا أحب عبدًا ألبسه نور القبول قبل أن يكسوه أي شيء."

✒️ -راضي غربي العنزي – كاتب سعودي

هناك أشياء لا تُشترى، ولا تُدرّس في الجامعات، ولا تُقاس بالشهادات، ولا تُعرض في واجهات الحياة.

أشياء خفيّة، لكنها نافذة.

صامتة، لكنها مسموعة في القلوب.

أهمها: الأسلوب.

قد يمتلك الإنسان جمالًا يسرق الأبصار، وذكاءً يربك المجالس، وثقافةً تُدهش العقول، وحضورًا يملأ المكان… ومع ذلك، يبقى ثقيلًا في الميزان الإنساني، مرهقًا للقلوب، كأن الجلوس معه امتحان صامت، وكأن الأرواح تبحث عن مخرج غير معلن من حضرته.

ليس لأنه سيئ، بل لأن أسلوبه قاسٍ، لأن كلماته تمشي بلا رحمة، ولأن حضوره يضغط ولا يطمئن.

وفي الجهة الأخرى، يقف إنسانٌ بسيط، لا يحمل من الدنيا ما يُبهر، ولا من الألقاب ما يُدهش، ولا من المظاهر ما يُلفت… لكنه يملك سرًّا أعظم: القبول.

تراه فتبتسم بلا سبب.

تجلس معه فيهدأ صدرك.

تصمت بقربه فلا يزعجك الصمت.

كأن الله جعل في نبرته سكينة، وفي تعامله لطفًا، وفي وجوده راحة لا تُفسَّر.

وهنا تتجلّى حكمة الله العظيمة…

الله جلّ جلاله لا ينظر إلى القشور، ولا يقف عند الصور، بل يضع نوره حيث يشاء، ويغرس القبول في القلوب لمن شاء، ويهب لطفًا لا يُنال بالحيلة ولا يُصنع بالادعاء.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾

ذلك الوُد ليس مصادفة اجتماعية، بل عطية ربانية، يسكبها الله على من رقّ قلبه، وحسن أسلوبه، وصدق مع خلقه.

ولم يكن النبي ﷺ يختصر الحقيقة حين قال:

«إنَّ من أحبِّكم إليَّ وأقربِكم مني مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسِنَكم أخلاقًا».

فالأخلاق هنا ليست شعارات، بل أسلوب حياة، وطريقة حضور، ونبرة حديث، واحترام صامت لا يحتاج إلى إعلان.

الفيلسوف سينيكا، وهو العارف بدهاليز النفوس، قال إن اللطف يفتح ما تعجز عنه القوة، وكأنما كان يقرأ سنن الله في القلوب بعين العقل.

أما جلال الدين الرومي فكان يرى أن القلوب لا تُفتح بالمفاتيح بل بالرقة، وأن القسوة مهما بدت قوية فهي قصيرة العمر.

وفي قصة حديثة، قريبة منّا:

شاب يعمل في مقهى صغير، لا شهادة عالية لديه، ولا منصب لامع. كان يستقبل الناس بابتسامة صادقة، ويعتذر بلطف، ويشكر بصدق.

بعد أشهر، صار الزبائن يأتون لأجله لا للمكان.

لم يغيّر الديكور، ولم يرفع الأسعار، ولم يتصنّع… فقط حسّن أسلوبه، ففتح الله له القلوب.

هكذا يعمل الله في خلقه…

يُعلّم بلطف، ويهذب برحمة، ويقرّب من يشاء دون ضجيج.

الله يحب الرفق، ويحب التواضع، ويحب الجمال الهادئ، ويجعل في الأسلوب الحسن عبادة خفية، لا تُرى لكنها تُؤجر.

الأسلوب ليس ضعفًا، بل قوة راقية.

ليس تنازلًا، بل سموًا.

ليس مجاملة، بل صدقٌ مهذّب.

وحين تفهم ذلك، تدرك أن أعظم ما يمكن أن يمتلكه الإنسان ليس مظهرًا، ولا مالًا، ولا علمًا وحده، بل أن يكون خفيفًا على القلوب، قريبًا بلا اقتحام، حاضرًا بلا أذى، مؤدبًا بلا تصنّع.

ذلك هو الأسلوب الذي يُحب، وذلك هو القبول الذي يمنحه الله، وذلك هو النور الذي إذا سكن في إنسان، سبقه حب الناس قبل كلماته.

الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

Radi1444@hotmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى