كتاب واصل

ولي العهد وقوة الردع السعودي قراءة تاريخية موجزة

بقلم / د. سعيد بن عبدالله بن علي جفشر 

إن ما قام ويقوم به سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ليس بدعا ولا أمرا طارئا على مسار الدولة السعودية، بل هو امتداد لعقيدة راسخة في هذا البيت السعودي الحاكم العربي الأبي منذ تأسيس الدولة في عهد الإمام محمد بن سعود، مرورا بمراحلها التاريخية، حتى توحيدها على يد الملك المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله، ثم في عهد أبنائه الملوك، وصولا إلى عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان. فقد مثل آل سعود زعامة أمة منذ عهد التأسيس، وكانوا ولا يزالون دعاة صلاح وسلام إقليمي وعالمي، ومدافعين عن إخوانهم وأشقائهم، وعن عقيدتهم ومكتسباتهم وأوطانهم، مؤمنين بأن أمن الخليج والأردن وفلسطين وسائر الأقطار العربية كل لا يتجزأ.

وفي هذا السياق تتجلى قوة الردع السعودي بوصفها مفهوما متكاملا يجمع بين الحزم السياسي، والجاهزية العسكرية، والثقل الاقتصادي، والعمق الدبلوماسي. وما نشهده في هذه الأيام من حراك سياسي وعسكري، ودعم لا محدود لدول الخليج العربي والمملكة الأردنية الهاشمية، إنما هو تجسيد عملي لهذا المفهوم. فمنذ بداية الهجوم الإيراني على دول المنطقة، بادر سمو ولي العهد إلى إجراء اتصالات هاتفية عاجلة مع قادة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، ودولة قطر، ودولة الكويت، والمملكة الأردنية الهاشمية، مؤكدا تضامن المملكة الكامل ووقوفها إلى جانب الأشقاء في مواجهة الاعتداءات، ومعلنا أن المملكة تضع كافة إمكاناتها وقدراتها تحت تصرف الدول الشقيقة دعما لأي إجراءات تتخذها لحماية أمنها وسيادتها. كما جاءت الإدانة الصريحة للهجمات الإيرانية مقرونة بالتشاور والتنسيق المشترك بما يحفظ الأمن الإقليمي ويحد من التدهور.

غير أن قوة الردع السعودي ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد تاريخي راسخ. فمنذ توحيد المملكة عام 1932 تبنت سياسة تثبيت الاستقرار في الخليج عبر الاعتراف المتبادل واحترام الكيانات السياسية الناشئة، ودعمت استقلال المشيخات الخليجية دبلوماسيا في المحافل الدولية. وفي عام 1956 دعمت المملكة جمهورية مصر العربية في حرب العدوان الثلاثي ضمن رؤية أمن جماعي عربي، مؤكدة أن أمن العرب واحد ومصيرهم مشترك. وفي عام 1973 قادت وبادرت بدعم الجبهة العربية بالمال والسلاح، وبقوات من الجيش العربي السعودي في جبهات مصر وسوريا، واستخدمت سلاح النفط سلاحا سياسيا كان له تأثير عظيم في انتصار حرب أكتوبر، مجسدة بذلك بعدا اقتصاديا فاعلا في معادلة الردع.

ثم أسهمت المملكة إسهاما محوريا في تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981 كمنظومة تكامل سياسي وأمني واقتصادي، وأعقب ذلك إنشاء قوات درع الجزيرة عام 1984 لتعزيز الردع الجماعي، الذي كان له دور فاعل في حرب تحرير الكويت، وفي حفظ أمن واستقرار مملكة البحرين، وافتتاح جسر الملك فهد عام 1986 بما يعكس عمق الترابط الاستراتيجي الخليجي. وعند اجتياح الكويت عام 1990 قادت المملكة التحالف الدولي لتحريرها، ورسخت مبدأ الأمن الجماعي، ثم دعمت مشاريع ومسارات التكامل الاقتصادي.

ومع الأردن، هناك علاقة قوية تاريخية، فيها تواصل الدعم السعودي منذ خمسينيات القرن الماضي دعما للمملكة الأردنية الهاشمية في مراحل دقيقة من تاريخها، ومن ذلك دعمها بعد حرب 1967، وكذلك الوقوف معها في أحداث أيلول 1970، ثم مساهمات مالية لتعزيز استقرار الاقتصاد الأردني، ودعم اقتصادي وسياسي مستمرين، إضافة إلى التنسيق المستمر بشأن قضية القدس ودعم صمود الفلسطينيين.

وفي القضية الفلسطينية استمر الدعم السياسي والعسكري والمالي منذ 1948 وحتى اليوم، ومن ذلك مبادرة السلام عام 1982، ثم إطلاق مبادرة السلام العربية في قمة بيروت 2002 كأساس شامل لحل الصراع العربي الإسرائيلي، إلى جانب الدعم السياسي الدولي والإنساني والتنموي المتواصل.

وفي لبنان رعت المملكة اتفاق الطائف عام 1989 الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، وقدمت دعما سياسيا وإنسانيا للشعب السوري منذ 2011، وفي اليمن دعمت وحدة البلاد، وقادت تحالف دعم الشرعية استجابة لطلب الحكومة المعترف بها دوليا، وأنشأت مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية لتقديم مساعدات واسعة.

وعبر التاريخ، ومنذ نشأة هذه الدولة المباركة، نرى أن كل من أظهر العداء للمملكة العربية السعودية وتنكر لمواقفها وقادتها وحكومتها، وحاول النيل من دورها أو التشكيك في ثوابتها، لم يجن من ذلك إلا الخسران، وكان مآله إلى أفول سياسي وعزلة إقليمية، ثم إلى مزبلة التاريخ. فالمملكة لم تكن يوما دولة ردود أفعال عابرة، بل دولة مبادئ راسخة، إذا صبرت كان صبرها قوة، وإذا حسمت كان حسمها عدلا، وإذا مدت يدها كان ذلك حرصا على الاستقرار لا ضعفا. وقد أثبتت التجارب أن من راهن على إضعافها خسر رهانه، ومن توهم تجاوزها اكتشف أن معادلات المنطقة لا تستقيم دون ثقلها، وأن قوة الردع السعودي ليست شعارا، بل حقيقة تؤكدها الوقائع وتكرسها الأيام.

إن قراءة تاريخية موجزة لمسار الدولة السعودية تؤكد أن قوة الردع السعودي هي منظومة عسكرية وأمنية واقتصادية شاملة تقوم على حماية السيادة العربية، وتوظيف الثقل الاقتصادي لخدمة الاستقرار، ودعم التكامل الخليجي، والوساطة في النزاعات، والسعي الدائم لإرساء السلام الإقليمي والعالمي. وما يفعله سمو ولي العهد اليوم هو حلقة جديدة في سلسلة ممتدة من المسؤولية التاريخية والقيادة الراسخة تجاه الأمة العربية والإسلامية، والاستقرار العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى