رملُ عالِج… حين يُهزم الذنب أمام كلمة
✒️ – راضي غربي العنزي – كاتب سعودي
في حضرة الغفران، لا يبقى للثقل موضع، فالله أرحم بعباده من خوفهم، وأقرب إليهم من يأسهم، يحفظهم بلطفه إذا عادوا إليه صادقين.
في صمت الليل، حين ينفضّ الجمع وتخفت الأصوات، وتبقى وحدك مع سريرك وأفكارك التي تتقافز كأطفالٍ أشقياء، هناك كلمةٌ واحدة تقف في وجه التاريخ كله: أستغفر الله.
ليست مجرد لفظٍ عابر، بل مفتاح خزائن الرحمة، ونداء عبدٍ يعرف أن له رباً عظيماً لا تضيق رحمته، ولا تُحدّ مغفرته، ولا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، سبحانه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
روى الإمام أبو عيسى الترمذي في جامعه عن أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«مَن قال حين يأوي إلى فراشه: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، ثلاث مرات؛ غفر الله له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر، وإن كانت عدد ورق الشجر، وإن كانت عدد رمل عالج، وإن كانت عدد أيام الدنيا».
رمل عالج…
ذلك الرمل الممتد في صحارى الجزيرة، حتى إذا وقفت عند طرف الربع الخالي ظننت أن الأفق يعيد نفسه بلا نهاية. تخيّل عدد تلك الحبات، ثم تخيّل أن مغفرة الله – جل جلاله – أعظم من ذلك كله. هنا لا يبقى للذنب جبروت، ولا للعار إقامة، ولا لليأس حقّ في صدرك.
ولأننا نحب الأرقام حين نضعف، نقول: عدد رمل الربع الخالي. لكن الله – سبحانه – لا يحتاج إلى حساباتنا، هو الذي أحصى كل شيء عدداً، وهو الذي كتب على نفسه الرحمة، كما قال في كتابه الكريم:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
آيةٌ لو قُرئت بقلبٍ حيّ، لأطفأت حرائق أعوامٍ من الندم.
في كتب السير يُروى أن الفضيل بن عياض كان في شبابه قاطع طريق، تتحدث عنه القوافل كما تتحدث اليوم عن نشرات الطقس، لا يُؤمَن جانبه. حتى مرّ ذات ليلة يسمع قارئاً يتلو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾، فتوقف قلبه قبل قدميه، وقال: بلى يا رب قد آن.
تحوّل الرجل من لصٍّ يخشاه الناس إلى عابدٍ يبكي إذا ذُكر الله، ويقول: لو قيل لي إن الله لن يغفر لي إلا ذنباً واحداً لظننت أنه سيغفر لي جميعها.
أي انقلاب هذا؟
إنه انقلاب الاستغفار حين يلامس القلب، لا حين يمرّ على اللسان كضيفٍ ثقيل.
وفي زماننا هذا، رجلٌ أنهكته الأخطاء كما ينهك الغبار زجاج السيارة في طريقٍ طويل. كان يظن أن صفحة حياته سوداء لا يمحوها شيء. حتى سمع هذا الحديث، فجعل لنفسه موعداً ثابتاً قبل نومه، يكرر الذكر ثلاثاً، ثم يبتسم ساخراً من نفسه: ثلاث كلمات تهزم تاريخي كله؟
مرّت أسابيع، وإذا بالطمأنينة تزحف إلى صدره كما يزحف الفجر إلى الليل، لا صخب فيها ولا ادعاء. تغيّر سلوكه، لان لسانه، وقلّت زلاته. لم يكن يحتاج معجزة، بل باباً.
والاستغفار باب.
العجيب أننا نُعقّد الطريق إلى الله، وننسى أن الله – سبحانه – لا يريد تعذيب عباده، بل يريد تطهيرهم. هو الغني عن العالمين، ونحن الفقراء إليه، وهو الرحيم الذي يفرح بتوبة عبده، كما في الحديث الصحيح: «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ…».
أيُّ ربٍّ هذا الذي يفرح بعودتك؟
أيُّ إلهٍ هذا الذي يبدّل سيئاتك حسنات إذا صدقت؟
سبحانه ما أعظمه، سبحانه ما أكرمه، سبحانه ما أرحمه.
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا”. ولم يكن يقصد جلد الذات، بل يقصد أن تجعل بينك وبين الذنب جسراً من وعيٍ واستغفار.
وقال ابن تيمية: “العبد دائماً بين نعمةٍ تحتاج إلى شكر، وذنبٍ يحتاج إلى استغفار”.
وهنا تتجلّى الفلسفة المؤمنة الساخرة: نحن نُذنب، ثم نستغرب أن باب التوبة مفتوح! كأننا نريد إلهاً يعاملنا بعدلٍ مجرّد، لا بفضلٍ عظيم. ولو عاملنا الله بعدله لهلكنا، لكنه يعاملنا بفضله، والفضل من أسمائه، والرحمة من صفاته، والتوحيد أساس النجاة.
لا أكتب هذا لأبيعك حلماً وردياً، بل لأذكّرك بحقيقةٍ شرعيةٍ ملحميةٍ في آن: ثلاث مراتٍ فقط، قبل أن تغمض عينيك.
أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه.
ثلاث مرات، وكأنك تغسل يومك كما يُغسل الثوب الأبيض من الدنس.
ثلاث مرات، وكأنك تقول لنفسك: لست أسيراً لأخطائي، لي ربٌّ أعظم منها.
إن الله – جل جلاله – واحدٌ في ألوهيته، واحدٌ في ربوبيته، واحدٌ في أسمائه وصفاته، لا شريك له، لا ندّ له، لا مثيل له، يُغفر لمن تاب، ويعفو عمّن أناب، ويقبل من عاد. توحيده نجاة، وذكره حياة، والاستغفار مفتاح خزائن عفوه.
جرّب الليلة.
أطفئ هاتفك قبل أن يطفئك التعب، واترك جدالات النهار، وقلها بصدق.
ليس بينك وبين المغفرة إلا صدق نية، وكلمة تُقال بقلبٍ يعرف أن الله أعظم من كل ذنب، وأكبر من كل خطأ، وأرحم من كل خوف.
وحين تستيقظ صباحاً، لا تنظر إلى الأمس كقاضٍ، بل كدرس.
لقد غفر الله لك – إن صدقت – ما لو كان عدد رمل عالج، وعدد ورق الشجر، وعدد زبد البحر.
فامشِ خفيفاً، وابتسم، وابدأ يومك كأنك وُلدت من جديد.
هذه ليست مبالغة صحفية، بل وعد نبوي، ووعد الله حق.
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438
Radi1444@hotmail.com



