دور المملكة العربية السعودية في السودان بين الماضي والحاضر واستشراف المستقبل

بقلم/ الأمير د. ماجد بن ثامر آل سعود
تربط المملكة العربية السعودية والسودان علاقات تاريخية عميقة الجذور، تشكلت عبر عقود طويلة من التعاون السياسي والاقتصادي والإنساني، واستندت إلى روابط دينية وثقافية وجغرافية جعلت من العلاقة بين البلدين نموذجًا للتكامل العربي. وقد ظل السودان حاضرًا في السياسات السعودية بوصفه دولة محورية في محيطها العربي والإفريقي، لما يتمتع به من ثقل بشري وموقع استراتيجي وإمكانات اقتصادية واعدة.
في الماضي، لعبت المملكة دورًا داعمًا للسودان في مختلف المراحل التي مر بها، سواء في أوقات الاستقرار أو الأزمات. وقد تجسد هذا الدور في المساندة السياسية، والدعم الاقتصادي، والمساعدات الإنسانية التي قدمتها المملكة للشعب السوداني، إضافة إلى استقبالها أعدادًا كبيرة من السودانيين للعمل والإقامة، بما أسهم في دعم الاقتصاد السوداني وتعزيز الروابط الاجتماعية بين الشعبين. كما حرصت المملكة تاريخيًا على دعم وحدة السودان والحفاظ على استقراره، انطلاقًا من إدراكها لأهمية ذلك على مستوى الأمن العربي والإقليمي.
أما في الحاضر، فقد تعاظم الدور السعودي في السودان في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، والتي ألقت بظلالها على الأوضاع الإنسانية والسياسية. وقد برزت المملكة كطرف فاعل يسعى إلى تخفيف معاناة الشعب السوداني، من خلال تقديم المساعدات الإغاثية والطبية، ودعم الجهود الرامية إلى وقف التصعيد، وتشجيع الحلول السلمية التي تحفظ للسودان وحدته ومؤسساته. ويعكس هذا الدور حرص المملكة على تبني نهج متوازن يجمع بين البعد الإنساني والمسؤولية السياسية.
ومن وجهة نظري، فإن العلاقة بين المملكة والسودان لم تكن في أي مرحلة علاقة مصالح مؤقتة، بل علاقة استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على الإيمان بأهمية التضامن العربي. وأرى أن هذا العمق التاريخي منح الدور السعودي في السودان مصداقية كبيرة، وجعله مقبولًا لدى قطاعات واسعة من الشعب السوداني، باعتباره دورًا نابعًا من الأخوة لا من الهيمنة.
وأعتقد أن الدور السعودي في الحاضر يُظهر تطورًا ملحوظًا في أسلوب التعامل مع الأزمات، حيث لم يعد يقتصر على الدعم التقليدي، بل أصبح أكثر شمولًا ووعيًا بتعقيدات الواقع السياسي والإنساني. فالتركيز على الحوار، والدعوة إلى التهدئة، وتقديم العون الإنساني في آن واحد، يعكس رؤية متوازنة تسعى إلى معالجة جذور الأزمة لا مظاهرها فقط.
كما أرى أن ما يميز الدور السعودي هو استمراريته وعدم ارتباطه بتغير الظروف أو المصالح الآنية. فالمملكة، في تقديري، تنظر إلى السودان باعتباره شريكًا عربيًا مهمًا، واستقراره جزءًا لا يتجزأ من استقرار المنطقة، وهو ما يفسر حرصها الدائم على دعم الحلول التي تصب في مصلحة السودان على المدى البعيد.
وعند استشراف المستقبل، يتوقع أن يستمر الدور السعودي في السودان بصورة أكثر فاعلية، لا سيما في مرحلة ما بعد تجاوز الأزمة الراهنة. فالمملكة مؤهلة للقيام بدور داعم لإعادة الاستقرار، والمساهمة في دعم مسارات التنمية وإعادة الإعمار، بما ينسجم مع تطلعات الشعب السوداني نحو الأمن والنمو والاستقرار. كما يمكن لهذا الدور أن يسهم في تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين، بما يعود بالنفع المتبادل ويدعم التنمية المستدامة في السودان.
وفي الختام، يمكن القول إن دور المملكة العربية السعودية في السودان يمثل نموذجًا لعلاقة عربية قائمة على التاريخ المشترك، والتضامن الإنساني، والمسؤولية السياسية. فمن الماضي الذي اتسم بالدعم والمساندة، إلى الحاضر الذي يشهد جهودًا إنسانية وسياسية فاعلة، وصولًا إلى مستقبل يُنتظر أن يحمل فرصًا أكبر للتعاون والاستقرار، تواصل المملكة أداء دور محوري يسهم في دعم السودان وشعبه، ويعزز من استقرار المنطقة العربية ككل.



