الانطوائية… مسافة آمنة مع العالم
د.خالد الغامدي اخصائي نفسي وخبير تربوي
حنا في عالم سريع التواصل لكن نجد أن هناك أناس يحبذون العزله والانطواء و السبب ان الانطوائيّون يختار الهدوء والخصوصية ونحن نحلل ونفسر أنهم مرضى وغير طبيعيين لكن احب ان اوضح ان عزلتهم او انطواءهم ليس هروبًا بل أسلوب حياة يمنحهم مساحة آمنة لاستكشاف أفكارهم ومشاعرهم وتمنحهم هذه المسافة فرصة لبناء وعي ذاتي وعلاقات أعمق .
ولا نصبح نخاف عليهم او نقلق من عزلتهم او انطواءهم إلا إذا تحوّلت إلى عزلة مؤلمة أو رافقها توتر نفسي شديد .
هنا في هذا المقال نحاول فهم الانطوائية كما هي لا كما يُساء فهمها والاقتراب منها . الانطوائية ليست مرضًا نفسيًا ولا اضطرابًا بل نمط من أنماط الشخصية ويميل الشخص الانطوائي إلى استمداد طاقته من الهدوء والخصوصية ويفضّل التفاعل العميق مع عدد محدود من الناس بدل العلاقات الواسعة وتظهر الانطوائية في التفكير الداخلي والتأمل والهدوء وقلة الكلام دون انزعاج والعلاقات القليلة والعميقة وتجنّب الضجيج والزحام قدر الإمكان فالانطوائي لا يكره الناس لكنه يحتاج إلى مسافة آمنة مع العالم ليبقى متوازنًا نفسيًا وهذا حقه . وسوف اوضح جوانب إيجابية كثيرة في الأشخاص الذين لديهم انطوائيه منها انها تمنح صاحبها عمق التفكير وقدرة عالية على التركيز والاستماع ووعي ذاتي مرتفع وعلاقات صادقة وعميقة وإبداعًا في الكتابة والتحليل والفنون كما يتميز باتخاذ قرارات هادئة بعيدًا عن التسرّع ومع ذلك قد يواجه الانطوائي بعض التحديات مثل صعوبة التعبير عن المشاعر أحيانًا وسوء الفهم من الآخرين أو الميل إلى كبت الاحتياجات والإرهاق من التفاعل الاجتماعي الطويل وقد يفوّت بعض الفرص الاجتماعية أو المهنية لكن هذه الجوانب ليست عيوبًا ثابتة بل يمكن إدارتها بالوعي والتوازن .
يبرز سؤال مهم اليوم هل أصبح أبناؤنا في زمن الأجهزة الذكية أكثر انطوائية الحقيقة وحسب الدراسات أن الانطوائية لا تُصنع بالشاشات فهي سمة شخصية فطرية تظهر مبكرًا لكن ما تفعله الأجهزة الذكية هو أنها توسّع المسافة بين الطفل والعالم إن غاب التوازن فتجعل العزلة أسهل وأقل إزعاجًا وأكثر إغراءً نخلط أحيانًا بين الانطوائية والعزلة الرقمية فالانطوائي قادر على التواصل حين يشعر بالأمان بينما الطفل المنغمس في الأجهزة قد ينسحب تدريجيًا من التفاعل الواقعي لا لأنه يفضّل الهدوء بل لأنه لم يعد يتدرّب على الحوار والمشاركة والخطر لا يكمن في الهدوء بل في الانسحاب حين يصبح العالم الافتراضي بديلًا عن العلاقات الحقيقية ويغدو الصمت هروبًا لا اختيارًا هنا لا نكون أمام انطوائية بل أمام حاجة نفسية لم تُلبَّ نقلق هنا عندما نلاحظ رفضًا مستمرًا للتفاعل الواقعي ونجد الابناء يعانون من عصبية وقلق عند سحب الجهاز وهذا ضعف في التواصل اللفظي أو فقدان الاهتمام بالأنشطة الاجتماعية ومسؤوليتنا هنا ليست في نزع الأجهزة بل في إعادة التوازن و أن نحفظ للطفل مساحته الآمنة دون أن نسمح لها أن تتحول إلى عزلة وأن نعلّمه أن الهدوء قوة لكن الحياة تُعاش أيضًا مع الآخرين . وفي الختام نسأل الله أن يرزقنا فهمًا أعمق لأنفسنا ولغيرنا وأن يجعل هدوءنا سكينة لا عزلة ومسافتنا أمانًا لا انقطاعًا وأن يهب لنا ولأبنائنا توازنًا يقرّب ولا يباعد ويطمئن القلوب ويصلح الأحوال.



