الشيء الذي لم ننتبه له …!
✒️ – راضي غربي العنزي – كاتب سعودي
“في لحظةٍ شبيهة بالقصيدة، لا تشرح نفسها ولا تبرّر وجودها، يحدث التحوّل. لا ضجيج، لا علامات فاقعة، فقط إحساس خفيف بأن شيئًا ما في الداخل أعاد ترتيب نفسه، كما لو أن الروح صعدت درجة أعلى من الفهم، وتركت ثقلها القديم خلفها.”
في لحظةٍ ما، يصل الإنسان إلى اتزانٍ هادئٍ لا يشبه ما قبله. اتزان غامض، لا يحتفل بنفسه، ولا يطلب التصفيق. كأن الحياة قررت أن تتكلم همسًا بعد سنوات من الصراخ. هنا، لا تختفي الأسئلة، لكنها تفقد حدّتها. ولا تزول الفوضى تمامًا، لكنها تكفّ عن السيطرة.
تتضح العلاقات كما تتضح الطرق عند أول خيط ضوء. ليس لأن الآخرين تغيّروا، بل لأن النظرة صارت أصدق وأقل استعجالًا. تهدأ المشاعر، لا خمولًا، بل نضجًا. ويتحوّل الاختيار من ردّة فعل إلى فعل واعٍ، فيه شيء من الشجاعة، وشيء من الحكمة، وشيء من الرحمة بالنفس.
في هذا المستوى من الوعي، لا يعود الإنسان في خصومة مع العالم. يتوقف عن تفسير كل ما يحدث على أنه رسالة قاسية، ويفهم أن كثيرًا من الأشياء تمرّ لأنها تمرّ، لا لأنها تستهدفه. الحياة، هنا، تبدو أقل عدائية، وأكثر شبهًا برحلة طويلة تحتاج خفّة لا بطولة.
يبدأ الترتيب من الداخل. يخفّ الحمل حين يتخفف الإنسان من كل ما لا يشبهه. علاقات تُستهلك، أفكار تُرهق، سباقات لا نهاية لها. يتركها بهدوء، لا ازدراءً، بل إدراكًا بأن العمر أضيق من أن يُهدر في ما لا يمنح المعنى. هذا التخفف ليس انسحابًا، بل شكل راقٍ من أشكال النجاة.
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
[سورة البقرة: 286]
آية تُقرأ هنا بوصفها طمأنة كبرى، لا خطابًا ثقيلًا. تذكير بأن الإنسان ليس مطالبًا بأن يكون كاملًا، ولا قويًا طوال الوقت، ولا منتصرًا في كل معاركه. يكفي أن يكون صادقًا مع نفسه، وألا يحمّل قلبه ما لا يحتمل.
المفارقة التي تضحك بهدوء أن الإنسان يقضي وقتًا طويلًا وهو يحاول أن يحتمل كل شيء، ثم يكتشف أن الحكمة كانت في الانتقاء. أن كثرة العلاقات ليست حياة، وأن الامتلاء لا يعني الضجيج. سقراط لمح قديمًا أن معرفة النفس بداية الطريق، وسينيكا قال إننا نرهق أنفسنا بما لا يلزم، بينما يهمس الشعراء بأن الخفّة شكل من أشكال الحكمة.
وقال النبي ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير…» رواه مسلم. حديث يُقرأ هنا كنافذة أمل، لا كجدل عقائدي؛ فكرة أن المعنى يمكن أن يُولد حتى من الخسارة، وأن التجربة، مهما بدت قاسية، قد تحمل في طيّاتها شكلًا آخر من الفهم.
ومن الواقع القريب، لا من الأساطير، قصة إنسانٍ توقّف مشروعه فجأة. كل شيء بدا كأنه انتهى. بدل أن يطارد التعويض، توقّف. راقب حياته من مسافة، أعاد ترتيب يومه، وترك مساحة للصمت. بعد عام، لم يعد إلى ما كان عليه، بل إلى نسخة أخفّ وأوضح. قال: لم يتغيّر العالم… لكنني صرت أراه دون تشويش. أحيانًا، هذا وحده كافٍ.
قال محمود درويش ما يشبه هذا المعنى حين لمح أن على الإنسان ألا يحمل العالم وحده، وأن يترك للأشياء حقها في المرور. وقالت أغاثا كريستي بطريقتها إن الفوضى لا تكمن في الأحداث، بل في سوء فهمها. بين الشعر والرواية، يظلّ الإنسان هو السؤال المفتوح.
في هذا الاتزان الجديد، لا يصبح الإنسان متصالحًا مع كل شيء، بل أكثر لطفًا مع نفسه. يعرف متى يقترب، ومتى يبتعد، ومتى يترك الباب مواربًا للضوء. لا يبحث عن خلاصٍ صاخب، بل عن هدوء يمكن الوثوق به.
●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438
Radi1444@hotmail.com



