(العنود السودانية في مملكة الإنسانية)
نايف الخمري/ كاتب صحفي
عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(صنائعُ المعروفِ تقي مصارعَ السوءِ والآفاتِ والهلكاتِ، وأهلُ المعروفِ في الدنيا همْ أهلُ المعروفِ في الآخرةِ)
العنود الطريفي طفلة سودانية في عمر الزهور تحولت قصتها رمزاً لمأساة إنسانية مؤُلمة عاشها السعوديون وهزت القلوب والمشاعر والأحاسيس وأثارت موجة تعاطف هائلة في المجتمع السعودي، حيث فقدت جميع أُسرتها كاملة في لحظة واحدة والدها ووالدتها واشقاءها الأربعة في حادث مأسوي أليم في منطقة القصيم وُصف بالمشهد الصادم وكانت في نهاية لمْ تكن تُريدها وهي لا تعلم أين يذهب القدر لتكون العناية الإلاهية طوق نجاتها وكانت الناجية الوحيدة من عائلتها والشاهدة على موتهم وولدت من رحم الموت وانبعاث الحياة تحمل ما تبقى من ملامح أسترتها، من ابتساماتهم، من ضحكاتهم ومن ذكرياتهم التي ستبقى معها إلى الأبد، بينما كانت صرخات الموت تُحيط بها بادر المواطن السعودي سلطان الحربي الذي أنقذ الطفلة من موت مُحقق بفضل الله أولاً وشجاعته السريعة بفتح أبواب السيارة وهي تشتعل بالنيران بعد أن أمتد الحريق إلى جسدها وتحولت السيارة بعد ذلك إلى كومة من الركام وتم إنقاذ الطفلة العنود وفجأة أصبحت طريحة الفراش على السرير تُصارع الألم ووخز الإبر ورعشة الخوف وحُزن الفقْد ومرارة الغُربة، ووجدت نفسها طفلة هائمة يتيمة الأب والأم لم يبقى لها إلا جدها وجدتها وأصبحت بِلا عائل ورغم الألم والمعاناة هناك إرادة وعزيمة لا تنكسر وأخذت تُلملم شتات نفسها المبعثرة من شدة الانكسار وتجمع أشلاء روحها المٌحطمة، وناشدت بكل هدوء في مقطع فيديو وصل لملايين المشاهدات في المملكة العربية السعودية وفي جمهورية السودان إلى سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تناشده بالبقاء في المملكة التي تربت فيها بعد أن فقدت جميع أفراد أسرتها بأن تبقى في هذه البلاد لأجل رائحة أهلها التي سكنت تُراب هذه الأرض المُباركة بعد أن اختفوا بين أنياب الموت رافضة بكل عِزة نفس مُناشدات ومُطالبات الشعب السعودي بطلبهم لها التبني، إلا أنها فضلت البقاء مع جدها وجدتها طالما أنهم موجودين على قيد الحياة وكانت على يقين تام أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ـ حفظه الله ـ هو والد الجميع الذي عُرف بإنسانيته وحرصه على كل مُحتاج دون تمييز في مُواجهة المُعاناة وأن سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز سوف يٌحسن احتوائها. لذا أتته لاجئة فهي تعرف أنه لا يتأخر عن تقديم فعل الخير ولن تغيب عنه حالتها بإنسانيته المعهُودة لأنها تعلم أنها في بلد الخير والرحمة والإنسانية الذي رأت فيه الأمان عندما استشعرت فقده، وأنها في عيون وقلوب كل السعوديين والسعوديات مٌطمئنة القلب مٌرتاحة البال لأنها بين شعبِ عظيم وقيادة أعظم وأنها بأيدي أمينة في مملكة الإنسانية التي يشهد لها التاريخ والمواقف خيرٌ شاهد علي عظمتها وعظمة عطاءها الذي لا ينضب والتي ليس بالسهولة حصر تلك المواقف في سطور عبر تاريخها على إغاثة الملهُوف ونُصرة المُظلوم وجبر المكسوُر ومُداواة الجريح، العنود ـ اطمئنِي ـ فأنت بأيدي أمينة في عيون وأفئدة الشعب السعودي الأبي تسكنين فيهم وفي خوفهم ووجعهم وسوف تمتد إليك أيادي حُكامها البيضاء التي ظلت ولازالت على الدوام في الصدارة لتقديم أعمال الخير ومد يد العون لكُل من يقصُدها طالباً للعون، سواء في الداخل أو الخارج والتي امتدت لهم يد الخير، وكانت مأساة العنود الطريفي قد لامست إحساس كل مواطن سعودي ومواطنة سعودية وتعاطف معها وطن بأكمله وتفاعل الشعب السعودي بمشاعره الصادقة معها في أسمى آياتِ الإنسانيةِ وأعظم مراتبِ الإحسان جاءت في لفتة إنسانية نبيلة تُجسد معاني وقيم وسجايا هذا الوطن المِعطاء وقادته المُخلصين الأوفياء، وفي خطوة إنسانية كريمة ولحظة جميلة زار سمو أمير منطقة القصيم الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود الطفلة العنود في المستشفى لكي يطمئن على حالتها الصحية بعد الحادث الأليم موجّهًا بتوفير كُل ما يلزم من عناية طبية ونفسية، ومؤكدًا حرص القيادة الرشيدة ـ حفظها الله ـ على تقديم الرعاية الإنسانية والصحية لكل ما تحتاجه، وبأبوة حانية جاءت دفء كلماته طُمأنينة لروحها وأعادت لها البسمة والفرحة من جديد ورسم لها سموه البهجة وأدخل السرور في نفسها ليتحقق حُلمها عندما تكفل برعايتها بعد فقدان أسرتها. وكانت عيناها تكتويان بنار الألم من شدة الفقد، لكن الأقدار دائماً تكون حانية وسوف يكبُر الأمل في قلبها وتتساقط أوراق أوجاعها المريرة وستنهض من جديد وتستقبل الحياة بقلب مُتفائل لأنها تستحق الحياة، وهي على حافة الانهيار النفسي مُثقلة بالجروح كانت بحاجة لمن يُعيدها للحياة وكانت بحاجة للاحتواء أكثر لكي تتجاوز ما بدخلها من ابتلاء وتخطى هذه المرحلة الصعبة في حياتها وتحتاج من يمسح عن قلبها التعب ويشُد أزرها ويُجدد عزمها ويُحي رُوحها وأملها، فقد قال الشافعي وهو عظيم القدر لصاحبه (لا تغفل عني فإني مكرُوب) وفي مشهد إنساني ليس عابر بلْ مشهد يٌحتذى به يُجسد معنى الكرم الفياض هبَ أهالي القصيم لزيارة الطفلة العنود في المستشفى بعد الحادث المأسوي في صورة أثارت الإعجاب في المجتمع السعودي وذلك للتخفيف عنها من معاناتها وبث السعادة في نفسها وجبراً لخاطرها وحملوا معهم قبل الورود والهدايا الأحاسيس الجميلة والابتسامات الدافئة والمحبة الصادقة والخير والسعادة، واحتوتها قلوبهم بمحبة صادقة وجعلوا لها في جوفها وطناً لها وحملوا قلبها بكفوف الطُمأنينة والهدوء ليتشكل قلبها الجديد وبادلوها دعاءً صادقاً لامس أوتار قلبها وزرعوا في طريقها الابتسامة الصادقة واللمسات الحانية التي تشق طريقها نحو الأمل بكل صدق ليتركوا بذلك اثراً طيباً في نفسها لا يزول، فمُلامسة القلوُب بالكلمة اللطيفة هي من أكثر المشاعر خلوداً وأثراً في حياة الأخرين لا يمكن نسيانه، وكان ذلك جزءاً بسيطاً من اهتمامهم وهذا المشهد الإنساني هو مبدأ يعيشٌه المُجتمع السعودي في كل تصرُف وموقف في كل مدينة ومنطقة من مناطق المملكة، هذا هو الشعب السعودي العظيم الذي يتصف بالكرم والشجاعة والنخوة والشهامة والفزعة وبأخلاقه قبل كلامه. فسوف يُعوضها الله بأجمل مما كانت تظًن وأعظم مما كانت تتخيل فما عند الله أجمل مما ضاع منها وسوف تخرج من هذه المحنة أكثر قوة. ونهمس لها بأن القادم أجمل وأحلى بإذن الله تعالى وعليها أن تتفاءل بالخير تجده. رحلت أسرتها دفعة واحدة واختفت تلك الوجوه التي كانت معها وأخذوا قلبها معهم وتركوا فيها فراغاً لا يملأ..
نسأل الله أن يُجبر كسرها ويُلزمها الصبر ويُعوضها خيراً، الفقدُ عظيم والخطبُ جلل والمُصاب عظيم والحُزن عميق. كما نسأل الله أن يرحم والديها وإخوتها ويكتب لها الشفاء التام العاجل ويحفظها بعنايته.
تلويحة:
وفي مأساة العنود رأينا الوجه الحقيقي المُشرق للإنسانية في بلد الخير والعطاء والبذل والسخاء المملكة العربية السعودية القلب النابض للأمة العربية والإسلامية والملاذ الأمن للضعفاء من خلال اهتمام القيادة والشعب السعودي بحالة الطفلة العنود ومد يد العون لمن تقطعت بهم السُبل وتقديم المساعدة والدعم النفسي..
شكراَ لكل الأيادي البيضاء الجميلة التي امتدت لتمسح دمعة هذه الطفلة المكلومة.



