الزواج بين غلاء المهور وعبء التقاليد!
✍️ ابراهيم النعمي
حثنا الإسلام على النكاح فقال: (فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) [النساء:3].
وقال تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) [الروم:21].
في السنوات الأخيرة، بات حلم الزواج يتلاشى تدريجيًا من أذهان كثير من شباب وفتيات هذا المجتمع، لا بسبب فقدان الرغبة، بل نتيجة صعوبات واقعية تتفاقم يومًا بعد يوم. فمن جهة، يعاني كثير من الشباب من تدني مستويات الدخل ؛ ومن جهة أخرى، تتزايد الضغوط الاجتماعية والمبالغات غير المنطقية في متطلبات الزواج ومظاهره.
قال صلى الله عليه وسلم : “يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء”.
لقد تحوّلت بعض الأعراس إلى ساحات للمفاخرة، لا للفرح الحقيقي.
حفلات باهظة، ومهور خيالية، وطلبات لا علاقة لها بحياة زوجية مستقرة، ولا بأركان الزواج الشرعية التي أساسها التيسير. هذا المشهد، الذي بات مألوفًا في كثير من المناطق، لا يُنتج إلا مزيدًا من العزوف والعنوسة، ويزيد الفجوة بين الرغبة في الزواج، والقدرة الفعلية عليه.
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً ، وفي لفظ : إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً.
إن ما نشهده اليوم من تقاليد مستحدثة، كثير منها لا أصل له،
لا شرعًا ولا عقلًا، يفرض علينا كمجتمع وقفة تأمل ومراجعة. علينا أن نسأل أنفسنا: هل هذه التكاليف تحقق الاستقرار الأسري؟ هل تساهم في بناء أسر سعيدة؟ أم أنها مجرد استجابة لرغبة في الظهور ولفت الأنظار على حساب شباب يعانون ويكافحون في سبيل بناء مستقبلهم؟
الأمر لا يتعلق فقط بالعائلات، بل هو مسؤولية مجتمعية شاملة، تبدأ من الأسرة، وتصل إلى منابر التوجيه والإعلام، والمؤسسات الدينية والاجتماعية.
نحن بحاجة إلى نشر ثقافة التيسير في الزواج، وتقدير قيمة الإنسان لا قيمة المظاهر، والتركيز على بناء حياة تقوم على المودة والرحمة، لا على الظهور والتفاخر.
الزواج ليس صفقة مالية، ولا مناسبة للعرض الاجتماعي، بل هو ميثاق غليظ، ومشروع حياة يتطلب عقلانية في التأسيس، وواقعية في التعامل، ووعيًا بأهمية تجاوز القشور للوصول إلى الجوهر.
فلنُعد النظر، ولنبادر في الدعوة إلى التغيير. فالاستمرار على هذا النحو لن يؤدي إلا إلى مزيد من التعقيد والخذلان، بينما التيسير هو السبيل لإعادة الأمل، وبناء أسرٍ قادرة على الاستمرار والنماء.


