موسم الدراما السعودية .. تساؤلات حول الواقع والتحديات

التاريخ الثقافي والاجتماعي، كان ولا يزال من أهم روافد التي استطاع من خلالها الكتاب صياغة أشكال التعبير لديهم، وظهر فن الدراما الذي يعتبر من أقدم هذه الأشكال؛ بما يعكسه من صور لصراعات إنسانية يعالجها ويقدمها بطريقة تستقطب جمهور المشاهدين.
وتجلى عامل الترفيه سببا وجيها وملحا، كدافع أساسي يجعل المشاهد متسمرا أمام ما يعرض على شاشاته، بقوالب تاريخية واجتماعية، شبابية وواقعية، ممتدا إلى جانب الفنتازيا.
ودخلت الدراما السعودية في ماراثون الموسم الرمضاني الحالي، من خلال طرح العديد من القضايا الاجتماعية والإنسانية، بقصص من الواقع السعودي، ومنها مسلسل «شارع الأعشى 2»، الذي تدور أحداثه في شارع الأعشى الواقع بحي المنفوحة بالرياض، ويرصد التحولات الاجتماعية والتحديات الحياتية اليومية التي حدثت تفاصيلها في سبعينيات وثمانينات القرن الماضي، بوصفه أحد أشكال الدراما الاجتماعية الواقعية.
ومن الدراما الاجتماعية إلى الدراما التاريخية، التي تدور أحداثها في بيئة نجدية قديمة، يطل علينا مسلسل «كحيلان» الذي يجسد الصراعات داخل شخصيات القبائل بعاداتها وتقاليدها، ويتمحور حول النفوذ والسيطرة، وقد أضيف بعد اجتماعي في تفاصيله للدراما التاريخية.
وفي موسمه الثالث، يطل علينا مسلسل «جاك العلم»، بقالب كوميدي اجتماعي، يغلب على تفاصيله المواقف اليومية في مجتمعنا السعودي.
ويأتي مسلسل «يوميات رجل متزوج» امتدادا لمسلسل «يوميات رجل عازب»، بنفس القالب الكوميدي من خلال مواقف تعكس حياة الزوج اليومية. ويناقش المسلسل العديد من القضايا الاجتماعية والتحديات التي تواجه الزوج في حياته الزوجية.
ويطل علينا مسلسل «شباب البومب» في جزئه الرابع عشر، ليكمل مواقفه الطريفة بقالب كوميدي، يعكس حياتنا اليومية في مجتمعنا السعودي.
ومن «شباب البومب» إلى «الغميضة»، من الفكاهة والكوميديا إلى الدراما الاجتماعية والعائلية على وجه التحديد، يتناول حكاية امرأة في حي شعبي تصارع لتربي أولادها وسط صعوبات الحياة، ويستعرض المسلسل التحديات اليومية التي تواجهها.
وبالنظر إلى هذا الكم من الأعمال الدرامية، المقدمة في الموسم الرمضاني الحالي، والتي تأتي معظمها امتدادا لأجزاء سابقة، ومنها ما وصل إلى الجزء الرابع عشر، يستلزم منا وقفة أمام مجموعة من التساؤلات، التي تنبع من قلب ووجدان وفكر وعقل أقلام محبة لوطنها، وبالطبع فإن القائمين على هذه الأعمال الدرامية، كتاب وممثلون ومخرجون وكادر إنتاج، لا يقلون وطنية عن كل من ناقش قضايا الدراما السعودية، وبخاصة في موسمها الرمضاني الحالي.
أولا: قضية التركيز حول عرض كل هذه الأعمال من خلال السباق الدرامي الرمضاني، بما لا يعطي الفرصة الكافية للمشاهد السعودي والعربي لمشاهدتها بشكل كامل، واقتصار بعضهم على مشاهدة عمل أو عملين ـ حسبما تقتضيه ظروف العمل والارتباطات الاجتماعية الأخرى ـ وإن كان القائمون على الإنتاج يرون أن الأعمال التي لا ترى في رمضان، ربما لا ترى في أي شهر غيره؛ لأن نسب المشاهدات فيه عالية جدا، بوصفه موسما للدراما، وإن كانت المنصات والتطبيقات الإلكترونية حلت هذه الإشكالية بتوفير فرص أخرى للمشاهدة في غير أوقات عرضها، فهل ننتظر مزيدا من الأعمال الدرامية السعودية موزعة على خريطة برامج الفضائيات طوال العام؟
ثانيا: يرى بعض النقاد أن عملية المسارعة والتدافع لإنجاز بعض الأعمال على عجالة، للحاق بالموسم الرمضاني؛ جعلها ـ إلى حد ما ـ نسخة مكررة أو على الأقل قريبة من النسخ والأجزاء التي تم تقديمها في المواسم الرمضانية السابقة، فهل أعطينا أعمالنا فسحة زمنية أكبر لإنجازها؟
ثالثا: النظرة إلى الأعمال الدرامية السعودية المقدمة في هذا الموسم، وبخاصة التي تناقش القضايا الاجتماعية، هل عكست بحق الواقع الاجتماعي بعاداته وتقاليده، أم أنه كانت هناك بعض الخروقات ـ إن لم تكن تجاوزات ـ؟.
رابعا: موضوع التغيرات المتلاحقة التي طرأت على مجتمعنا السعودي في كافة المجالات، هل عكست الأعمال الدرامية المقدمة هذا التحول الكبير، أم أنها لم تستطع إلى الآن ملاحقة ما يجري؟.
خامسا: من القضايا التي صاحبت عملية القراءات النقدية لما يقدم من دراما سعودية في موسمها الحالي ومواسمها السابقة، هل الكتاب والمؤلفون، وورش كتابة السيناريوهات التي سبقت إنتاج هذه الأعمال، حققوا تطلعات المشاهد السعودي؟، أم أننا بحاجة إلى البحث في روايات كتابنا السعوديين والنظر في إمكانية معالجة نصوصهم ودراسة قابلية تحويلها إلى أعمال درامية، خصوصا النصوص الاجتماعية والتاريخية؟.
سادسا: النظر بعين الاعتبار إلى الجدوى الاقتصادية والبحث في إمكانية خروج الأعمال الدرامية السعودية إلى فضاء أرحب وأوسع، خاصة وأننا لم ينقصنا النصوص والكادر الفني والإنتاجي وعمليات التمويل التي نراها رصدت للكثير من الأعمال، وإلا لما تولد لدينا هذا الزخم الإنتاجي الدرامي.
أخيرا: وعود على بدء، إلى عنوان المقال، بما فيه من إشارة إلى الواقع والتحديات، هل نعتبر أن كم التساؤلات التي تضمنها متن المقال، هي إشارة واضحة إلى كم التحديات التي تكتنف صناعة الدراما السعودية، وافتراضات حلولها نعتبره منطلقا للدراما السعودية حتى تخرج من دائرة منافستها للدراما السعودية، إلى دائرة الخليجي، ومن ثم إلى العربي، ومنه إلى العالمية؟.



