” الفراغ العاطفي : في السنة الأولى للزواج سبب خفي وراء تعثر الاستقرار الأسري “

بقلم: عبدالرحمن بن طواله
أيها الكرام : اسمحوا لي أن أطرح قضية في غاية الأهمية، تمسّ الأبناء في المقام الأول، ولا سيما في بدايات الحياة الزوجية، وتحديدًا خلال السنة الأولى من الزواج . تلك المرحلة الحساسة التي يُبنى عليها الاستقرار أو تتشكل فيها بذور الخلاف، وقد يكون تجاهل بعض تفاصيلها سببًا مباشراً في عدم التوافق، ومن ثم تعثر استمرار الحياة الزوجية، وصولًا – لا قدر الله – إلى الطلاق، الذي باتت نسبه مقلقة في أوساط الشباب.
ومن وجهة نظري الخاصة، هناك سبب جوهري قد يغفل عنه كثيرون، سواء في إدراكه أو في كيفية التعامل معه والتغلب عليه، وهو الفراغ والوحدة التي تعيشها الزوجة في بيت زوجها خلال بداية الزواج، خصوصاً إذا لم تكن لديها وظيفة أو نشاط يشغل وقتها.
فالفتاة تنتقل من بيت أهلها، حيث الامتلاء بالعلاقات الاجتماعية والتواصل اليومي مع الوالدين والأخوات، إلى بيت جديد تقضي فيه ساعات طويلة بمفردها، في ظل ارتباط الزوج بالعمل طوال النهار، ثم عودته منهكًا طالبًا للراحة، ليستيقظ متأخرًا ويكمل غيابه بالخروج إلى الاستراحة أو لقاء الأصدقاء، في الوقت الذي كانت فيه زوجته اليافعة تنتظر حضوره ليملأ فراغها، فإذا بها تُكافأ بغياب آخر يمتد حتى منتصف الليل.
وقد يتساءل البعض: لماذا نشعر بهذه المشكلة الآن، ولم تكن بارزة لدى النساء في السابق؟
والإجابة تكمن في عدة متغيرات اجتماعية، من أبرزها:في الماضي، كانت الزوجة تعيش مع أهل الزوج أو بالقرب منهم، ما يخفف شعورها بالوحدة حتى مع كثرة غياب الزوج.كانت المرأة سابقًا منشغلة بأعمال المنزل، فلا تجد متسعًا كبيرًا للفراغ، بينما تعتمد كثير من الأسر اليوم على العاملات، إضافة إلى سهولة شراء الاحتياجات من الخارج، ما يخلق فراغًا واسعًا في اليوم.
تراجعت العلاقات الأسرية والزيارات الاجتماعية عمّا كانت عليه سابقًا، واكتفت كثير من الأسر بالوحدة، وأصبحت الزيارات محدودة وتقتصر على المناسبات العامة.وبناءً على ذلك، يصبح من الضروري أن يُدرك الزوج خطورة هذا العامل وأثره المباشر على الاستقرار النفسي والعاطفي للزوجة، وأن يعمل على تعويضها بما يخفف من شعورها بالفراغ، سواء عبر زيادة التواصل، أو تخصيص وقت أطول للبقاء في المنزل، أو الخروج معها، أو زيارتها لأهلها وأهله، وتقليل الخروج المتكرر دون حاجة.
ومع التأكيد على أن هذا الفراغ – بإذن الله – مرحلة مؤقتة، سرعان ما تتلاشى عندما تُرزق الأسرة بالذرية، حيث تنشغل الأم بالتربية والرعاية والحنان، فلا يبقى للفراغ ذاك الحضور المؤلم كما كان في البدايات.
نسأل الله أن يُصلح شباب المسلمين، ويهديهم لما فيه رضاه، ويعينهم على حسن الاختيار، وبناء أسر صالحة، يرفرف في أرجائها الاستقرار والسعادة والخير والتوفيق.



