كتاب واصل

قراءة قانونية في العقد الإلكتروني الموحد لأتعاب المحاماة: خطوة تنظيمية… ونجاحها رهين الصياغة

المحامي حسين بن ناجع العسكر
جوال٠٥٣٦٤٢٥١٦٤

يمثل العقد الإلكتروني الموحد لأتعاب المحاماة نقلة نوعية في تنظيم العلاقة المهنية بين المحامي وموكله، بوصفه عقدًا رضائيًا ملزمًا للجانبين يُبرم عبر وسائل إلكترونية، ويندرج ضمن عقود تقديم الخدمات المهنية ذات الطبيعة الخاصة. وتستند شرعيته النظامية إلى منظومة تشريعية واضحة تشمل: نظام المحاماة السعودي ولائحته التنفيذية، ونظام المعاملات الإلكترونية، إضافة إلى نظام التنفيذ متى اكتسب العقد الصفة التنفيذية عبر «نافذ»، فضلًا عن القواعد المهنية والسلوكية للمحامين التي تحكم السلوك المهني وتضبط حدود العلاقة.

ومن حيث المبدأ، فإن تبني عقد إلكتروني موحد لأتعاب المحاماة يُعد توجهًا نظاميًا سليمًا ومتقدمًا؛ إذ ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في رقمنة الخدمات وتعزيز كفاءة العدالة، ويواكب مسار رقمنة العدالة وتطوير الخدمات القانونية، كما يرفع مستوى الثقة في المهنة، ويُسهم في تقليل المنازعات المهنية قبل وقوعها.

غير أن النجاح العملي لهذا العقد لا يتحقق بمجرد وجود نموذج موحد؛ بل يتوقف على دقة الصياغة وشمول البنود الجوهرية وتحقيق التوازن بين الطرفين، مع ضمان وضوح نطاق الخدمة والالتزامات المالية. فكلما اتسعت مساحة الغموض في نطاق الأعمال أو آلية الأتعاب أو حالات الإنهاء، تحوّل العقد من أداة وقائية إلى سبب مباشر للنزاع.

وتنبع أهمية هذا العقد من كونه وثيقة تحمي الحقوق قبل نشوء الخلاف؛ إذ يحد من النزاعات حول مقدار الأتعاب ومراحل السداد ونطاق الخدمات، ويمنح العلاقة صفة رسمية قابلة للإثبات والتنفيذ، ويعزز الثقة بين المحامي والموكل، ويكرّس مفهوم العدالة الوقائية بدلًا من الاقتصار على العدالة العلاجية بعد تفاقم الخلاف.

كما يحقق العقد الإلكتروني الموحد مزايا متعددة على ثلاثة مسارات:

• مزايا نظامية: توثيق الأتعاب ضمن إطار نظامي واضح، وإمكانية اكتساب الصفة التنفيذية، واختصار إجراءات التقاضي عند الإخلال.

• مزايا مهنية: حماية المحامي من المماطلة في السداد، وحماية الموكل من تجاوز نطاق التوكيل أو تمدد الأعمال خارج الاتفاق، وضبط العلاقة بمعايير أكثر انضباطًا.

• مزايا تقنية وإثباتية: التوثيق عبر «نافذ»، وإمكانية التنفيذ عبر «ناجز»، مع توفير إثبات إلكتروني متكامل يعزز حجية العقد ويقلل فرص الإنكار أو النزاع حول واقعة التعاقد.

ورغم هذه الإيجابيات، فإن العقد قد يواجه تحديات واقعية، أبرزها الجمود الناتج عن التوحيد؛ فالقضايا ليست سواء، وتتفاوت في الجهد والزمن والتعقيد، ما يتطلب قدرًا من المرونة في النصوص دون الإخلال بالمعيار الموحد. ومن التحديات كذلك عدم مراعاة تفاوت الأتعاب بحسب طبيعة الدعوى، أو إغفال تفاصيل دقيقة تتعلق بالأعمال الطارئة أو المستثناة، وهي تفاصيل تُعد غالبًا شرارة الخلاف عند التطبيق.

ومن هنا تبرز ضرورة أن يتضمن العقد بنودًا جوهرية تمنع التأويل وتغلق أبواب النزاع، وفي مقدمتها:

1. نطاق الخدمات القانونية: تحديد الأعمال المشمولة بدقة، والتنبيه صراحة إلى ما يُعد خارج نطاق العقد، مع بيان أثر ذلك على الأتعاب.

2. مراحل الأتعاب وآلية السداد: بيان مبلغ الأتعاب بشكل صريح، وجدولة الدفعات (إن وجدت)، وتحديد أثر التأخير وما يترتب عليه.

3. تعديل الأتعاب: تنظيم الحالات التي تتغير فيها طبيعة العمل أو يظهر فيها نطاق إضافي يستوجب مراجعة المقابل المالي.

4. الإنهاء والفسخ: تحديد متى يحق لكل طرف إنهاء العقد، وآثار الإنهاء على الأتعاب، وآلية تصفية الالتزامات المالية والمهنية.

5. السرية وحماية البيانات: التأكيد على التزام المحامي والمنشأة القانونية بحماية بيانات الموكل ووثائقه وفق الأطر النظامية والمهنية.

6. رد الأصول والمستندات: ضبط توقيت الرد وآلية التسليم، وتنظيم شرط السداد المسبق إن كان متفقًا عليه.
7. القوة القاهرة والظروف الطارئة: معالجة أثر الظروف الخارجة عن الإرادة على مواعيد التنفيذ والتزامات الطرفين.

8. الاختصاص وحل النزاعات: تفضيل التسوية الودية أولًا، ثم النص على التحكيم أو المحكمة المختصة عند تعذر الحل.

وخلاصة القول ، العقد الإلكتروني الموحد لأتعاب المحاماة ليس مجرد نموذج إداري، بل هو أداة تنظيمية عالية الأثر؛ يتحدد نفعها الحقيقي بمدى إحكام الصياغة، ووضوح الالتزامات، وعدالة التوازن، ومرونة التطبيق. ومع اكتمال هذه العناصر، يصبح العقد ركيزة عملية لتعزيز الثقة وتقليل النزاعات، وتحقيق بيئة قانونية أكثر انضباطًا واحترافية في سياق التحول الرقمي الذي تشهده .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى