✒️راضي غربي العنزي -“اعلامي سعودي”
ليس من شروط الفلاح أن يُرى اسمك في كل شيء، ولا أن يتقدم المشهد كلما حضرت. بعض الأثر يمرّ خفيفًا كأنه لم يكن، لكنه يترك في الروح ما لا تتركه الخطب الطويلة. بعض الخير يختار الظل، لا خجلًا ولا خوفًا، بل لأن الله يعلمه، ومن كان الله يعلمه فلا حاجة له بشاهد آخر.
نعيش زمنًا يربط القيمة بالصوت العالي، ويقيس المعنى بعدد العيون لا بصدق القلوب. صار الظهور غاية، وصار العمل مجرد وسيلة للوصول إلى صورة. ومع ذلك، تمضي الحقيقة بهدوئها المعتاد، غير معنية بالزحام. الحقيقة أن الله واحدٌ أحد، عليمٌ بما نُخفي وما نُعلن، لا يضيع عنده جهد، ولا يسقط من حسابه إخلاص. قال الله تعالى ﴿وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾، وكأن الآية تعيد ترتيب وعينا، وتخبرنا أن عدم الذكر في الحكاية لا يعني الغياب عن علم الله ولا عن تقديره.
نلهث كثيرًا لأننا أخطأنا الاتجاه. نركض خلف الذكر، ثم نستغرب التعب. بينما الميزان وُضع منذ البداية في مكانه الصحيح. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إلى صُوَرِكُم وأموالِكُم، ولكن يَنظُرُ إلى قلوبِكُم وأعمالِكُم» رواه مسلم.
حديث قصير، لكنه كافٍ لنسف مسرح كامل من الادعاء. هنا يهدأ الضجيج، ويستقيم المعنى، ويعود العمل إلى حجمه الطبيعي: عبادة خالصة لله، لا عرضًا عامًا.
تتسلل الحكمة أحيانًا من خارج السياق الديني، لا لتنافسه، بل لتشهد له من حيث لا تقصد. سقراط يمرّ ساخرًا وهو يلمّح إلى أن الحياة التي لا تُفكَّر تُعاش بالنيابة عن صاحبها. ثم يظهر إيمانويل كانط، الفيلسوف الألماني الذي جعل الأخلاق واجبًا داخليًا لا ينتظر مكافأة ولا تصفيقًا، وقال إن الفعل لا يكون أخلاقيًا لأنه نافع أو مشهور، بل لأنه صواب في ذاته. كانط لم يكن يتحدث عن الإيمان، لكنه اقترب من جوهره حين فصل القيمة عن أعين الناس وربطها بضمير الإنسان. وهنا يلتقي الطريقان دون موعد.
وفي مشهد حديث، بلا بطولة معلنة، كان هناك شاب يصلح أجهزة الحواسيب في مدرسة حكومية متعبة. لا صور، لا منشورات، لا قصص تُروى. في مساءٍ عادي، أعاد جهازًا للحياة ثم غادر. بعد سنوات، تفوق أحد طلاب تلك المدرسة في مسابقة علمية، وحين سُئل عن بدايته قال إن شاشة أضاءت ذات ليلة فتحت له بابًا لم يُغلق. الشاب لم يُذكر، لكن الله علم، ومن كان الله يعلمه فقد وُضع اسمه في موضع لا تزاحمه فيه الأسماء.
المفارقة الساخرة أن من يطارد الذكر يستهلك نفسه بسرعة، ومن يتركه يترك أثرًا أطول عمرًا. نضحك أحيانًا حين نكتشف أننا نبحث عن العمق في المرايا. العمق لا يحب الانعكاس، بل يحب الصدق. يحب قلبًا موحدًا لله، مطمئنًا إلى حكمته، شاكرًا له في الخفاء قبل العلن، مدركًا أن التدبير بيده وحده، وأن الكفاية منه لا من الناس.
ليست الدعوة إلى الاختفاء، بل إلى الحضور الصحيح. أن تكون حيث يريدك الله، لا حيث يعلو التصفيق. أن تعمل لأن الحق حق، وأن تُحسن لأن الإحسان عبادة، وأن تبتسم بسخرية هادئة من جنون العالم دون أن تفقد إيمانك به أو شفقتك عليه.
وفي النهاية، هذا هو مخزون المعنى الذي يختبئ بين سطور هذا المقال: أن الاسم ليس هو الأثر، وأن الصخب ليس هو الحياة، وأن الله إذا علم منك صدقًا كفاك كل ما سواه. نزهه عن كل نقص، ووحّده في نيتك، واعلم أن ما يُصنع لله لا يضيع، وإن مرّ كأنه لم يمر. فإن خفّ الاسم، ثقل المعنى، وإن غاب التصفيق، حضر الرضا… وهناك، في ذلك الهدوء العميق، يبتسم المشهد حقًا.
● ابتسم الآن …فانا اكتب لأجلك ..ولتضئ ..!
الهيئة العامة لتنظيم الاعلام 479438
■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■
Radi1444@hotmail.com



