كتاب واصل

المنة: مفسدة العطاء وقاتلة المعروف

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ}. هذه الآية ليست مجرد توجيه ديني، بل هي قاعدة ذهبية في فن التعامل الإنساني؛ فالعطاء الحقيقي هو رحلة تبدأ من القلب لتستقر في يد المحتاج، فإذا تتبعها لسان صاحبها بذكرها وتكرارها، عادت تلك الرحلة وبالاً على صاحبها.

لماذا يمنّ البعض بمعروفهم؟

غالباً ما ينبع المنّ من شعور بنقص داخلي يحاول الشخص تعويضه بفرض سلطة معنوية على الآخرين. يرى “المنّان” أن معروفه صك ملكية يمنحه الحق في تطويع إرادة من أحسن إليه، أو وسيلة لحصد الثناء والمديح المستمر، مما يحول الفعل الأخلاقي من “قربة” أو “شهامة” إلى “استثمار” رخيص في مشاعر الناس.

الآثار النفسية والاجتماعية للمنّ:

1. كسر القلوب: المحتاج غالباً ما يكون في حالة من الحرج النفسي، والمنّ عليه يضاعف هذا الشعور ويحوله إلى ذل.

2. نفور الناس: الإنسان بطبعه يألف الكريم المتواضع، وينفر من الذي يذكره بفضله في كل مجلس.

3. محو الأجر والمروءة: في الثقافة العربية والإسلامية، يُعتبر المنّ من “خوارم المروءة”؛ فالمعروف إذا ذُكر صغر، وإذا كُتم كبر.

أدب العطاء عند الكرام:

الكرام من الناس يرون أنهم “وسطاء” للرزق لا أصحابه، ولذلك تجدهم يتبعون منهجاً رفيعاً في الإحسان:

• الإسراع بالنسيان: ينسى الكريم ما أعطى، وكأنه هو من تلقى المعروف.

• الستر: يحرصون على أن تكون اليد اليسرى غافلة عما قدمت اليمنى.

• البشاشة: يقابلون المحتاج بوجه طلق، ليشعر المحتاج أن فضله في قبول العطاء أعظم من فضل المعطي.

خاتمة:

عزيزي القارئ إن اليد التي تمتد لتساعد يجب أن تظل ممدوحة بالرحمة، لا مشيرة بالإصبع للتذكير والتعالي، فالمعروف يبقى “معروفاً” ما دام مستوراً، فإذا أُظهر للمنّ صار “منكراً” في حق الأخلاق والشهامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى