مخاطر وأزمات .. آمال وتحديات

دائما ما تراودني أفكار وعناوين ورؤوس أقلام لمشاريع مقالات؛ فأسرع لأسجل أحرفها الأولى في مفكرة الهاتف، مخافة السهو عن التدوين؛ فأصبح من النادمين.
تأتي بعدها مرحلة التخطيط لكتابة المقال، والتي أعتبرها أهم مراحله، أستجمع فيها ما يجب أن يقال توثيقا وتدعيما، إلى أن أصل إلى مرحلة اختمار الفكرة والتوحد معها، إيذانا لخروجها إلى فضاء أرحب، امتثالا لأمر الكتابة الذي لا مناص منه.
ودائما ما أضع في اعتباري الشريحة العمرية التي أخاطبها، بما يتناسب مع مضمون ما أكتبه، ويتوافق مع ما أوجهه من رسائل عبر كلماته.
لكنني اليوم – وفي هذا الجانب تحديدا – أترك الباب مفتوحا على مصراعيه، أمام كل الأعمار، على اعتبار أنه يخص شبابنا عند التخطيط لمستقبلهم، كما يخص من أبحرت سفينة عمره، تمخر عباب بحار الحياة وسط تلاطم أمواجها، وصولا إلى من توقف عن احتساب سنين عمره؛ لعل ما أكتبه يكون سببا في إعادة حساباته، التي أحسبها لا تتوافق أو تنسجم مع قناعات الآخرين، وبالتالي استعادة الأمل في غده، بعد لملمة ما أفلت من طاحونة سنينه.
الحياة مليئة بالتقلبات التي تتماوج معها سنين عمرنا، وما تتطلبه طبائع الأمور وتحدياتها من مرونة في تعاملاتنا معها، وبما تتركه الأيام فينا وعلَّمَتْ به على خطوط جباهنا؛ فلم نخش السقوط، بل وقاومناه دائما بما تحلينا به من إيمان بأقدارنا وقدراتنا؛ بما يجعلنا ننهض مجددا؛ فننفض ما علق في ثيابنا من غبار، ونكمل بعدها سيرنا ومسيرتنا.
أسوق هذا الكلام لمن يهمه الأمر، ممن يواجه تحديات وصعوبات في حياته، وخاصة في جانب حيوي جدا، على أساس أنه لا يخصه فقط، بقدر ما يخص المحيطين به ممن يعولهم، وهو الطريق الذي يفقد الإنسان أحيانا خلاله بوصلة يوجه بها مسيرة حياته المهنية، فتتوه منه اتجاهاتها، ولا تتركه إلى وقد أظلمت الدنيا حوله، وهنا أذكره بالأنهار التي تشق طريقها في أول نشأتها، فهي لم تجر في خط مستقيم، ولكنها حفرت لها مجرى وجدته مناسبا لجريانها، فلم تقف عند أي ارتفاع يفوق قدرتها على العبور ومن ثم الانطلاق مجددا، فآثرت البحث عن منعطف أقرب؛ لتكمل المسير، وتصل إلى مبتغاها.
فليضع هذا الإنسان نفسه مكان الماء الذي يبحث عن مجرى يتناسب مع إمكانياته، ولا يقف عاجزا أمام أي عائق أمامه، آخذا بأسباب بقائه وتقدمه، وهناك من الحلول التي تطرح أمامه، أو يطرحها هو على نفسه، لتغير مساره المهني، إما بشكل مؤقت أو دائم، بما تتطلبه طبيعة المرحلة والظروف التي يعيشها.
هناك الكثير من التحديات التي تواجه الإنسان، وأغلبها نتاج صنيعه، وغالبا ما كانت خارجة عن حساباته، وقت أن قرر المضي فيها قدما، ومنها التطور التكنولوجي الهائل الذي لم يترك جانبا في حياتنا إلا وأثر عليه إيجابا وسلبا؛ فنهض أناس وتعملقوا بفعل تأثير التكنولوجيا على حياتهم المهنية، وبما استحدثته التكنولوجيا من أسباب رزق جديدة فاقت كل خيال، وتعثر أقوام آخرون عندما تعثرت سبل عيشهم، وتلاشى وجود أقوام بتلاشي أسباب عيشهم، وهذه طبائع الأمور، والكيس الفطن الذي تسلح بأسباب التغيير هو من نجا، وغرق في بحر التقليدية من تشبث بها، وبكى على أطلالها.
نأتي إلى من سبقه عمره، مسجلا تاريخا ظن البعض أنه نهاية المطاف لحياته المهنية، فجابه طوفانا من اللوائح والقوانين والقرارات التي تمترست أمامه، وكأنها تريد أن تكسره؛ فأرسلت له رسالتها بأن ما هو عليه الآن، هو آخر حدود تعامله مع أي إبداع أو مجهود يعينه على إكمال مسيرته أمام من يعول.
ومن الرسائل التي أعتبرها أقوى من اللوائح والقوانين البشرية، لوائح وقوانين الطبيعة، بجيوش الشيب التي تبدأ في غزو وجهه ورأسه، وكأنها تعلن تضامنها مع قوانين البشر، وهنا يبدأ الصراع الداخلي، بين ما يستطيع أن يقدمه باقتدار وقوة تضاهي أي قوة لمجموعة من الشباب، وبين ما تمليه عليه قوانين ولوائح بشرية وطبيعية لا تعرف الرحمة، وتريده أن يستسلم من أول جولة.
للشباب أقول: خطط لمستقبلك بطريقة مهنية صحيحة، وضع أمامك خيارات متعددة، تعينك على إثبات ذاتك، وليكن أمامك أكثر من خيار بما يتناسب مع قدراتك؛ حتى لا تقف حياتك المهنية، فتقف معها حياتك كلها.
ولمن يجابه صعابا وتحديات، أنت أكبر من كل تحد، عَبِّد لنفسك طريقا، إذا ضاقت بك الطرق.
ولمن غربت شمس أيامه من بين يديه، ولم يفق إلا على قرع اللوائح والقوانين المجحفة، استمر رغم كل ما ستقابله، فالمخاطر تتلاشى بالآمال، وطوفان الأزمات يتكسر أمام صلابة التحديات.



