مساعد الحربي… رسام الملوك والفنان الرقمي الذي حول الإعاقة إلى بصمة فنية خالدة
"حين تصبح الإعاقة مصدر إلهام .. تكون الإعاقة دافع لا عائق "

واصل | فهد الرياحي
في مشهدٍ فني تتعدد فيه المواهب وتتقاطع فيه التجارب، يبرز اسم الفنان التشكيلي الرقمي مساعد بن خالد الحربي بوصفه نموذجاً سعودياً ملهماً، استطاع أن يصنع حضوره بقوة الموهبة، وصدق الرسالة، وتحدي الإعاقة، حتى أصبح يُعرف بلقب «رسّام الملوك» . لما تتميز به أعماله من واقعية دقيقة، وحس فني عالٍ، وقدرة لافتة على تجسيد الملامح والهيبة الإنسانية في آنٍ واحد عبر الفن الرقمي الحديث.
وُلد مساعد طفلاً خديجاً في عمر ستة أشهر ونصف، ودخل العناية المركزة لمدة ستة أشهر، تعرض خلالها لمضاعفات صحية قاسية، أبرزها نقص الأكسجين الذي تسبب في شلل بالجهة اليمنى من جسده، إضافة إلى ثقب في الرئة عانى منه فترة طفولتة . توقف قلب مساعد عن النبض ثلاث مرات قبل أن يعود للحياة –بفضل الله– لتبدأ قصة إنسانية كُتبت بدايتها بالألم، لكنها صيغت بالإرادة، وعادت نابضة بالأمل وسعادة ، تاركة أثراً طيباً على كل من عرفه.
لم يكن المشي ممكناً، وكان شديد الصعوبة حتى سن التاسعة، حين استطاع مساعد – بقدرة الله – أن يقف على قدميه ، بعد فترة علاج طبيعي، وإصرار والديه، وقوة عزيمته، قادته للوقوف مستنداً على أثاث وجدران المنزل. تحولت تلك الخطوات الأولى إلى قصة بطولية، انتهت بأن أصبح عدّاءً وبطلاً على مستوى المملكة في سباقات الجري. وأكمل مساعد دراسته الثانوية، ورُشِّح لجائزة محمد بن سلطان للتفوق الإبداعي والعلمي، وحققها، ليؤكد أن الإعاقة ليست في الجسد، بل في العقل، وأن الطموح والعمل المستمر يصنعان المعجزات.
بين الريشة والتقنية الرقمية
مع التحول التقني المتسارع، وجد مساعد في فن البورتريه الرقمي الواقعي مساحة مثالية للتعبير الفني، حيث تتحول الشاشة إلى لوحة، والقلم الرقمي إلى ريشة تنقل الملامح بصدق متناهٍ دون مبالغة. يستغرق إنجاز اللوحة الواحدة مع مساعد أسبوعاً، وقد يمتد العمل إلى شهر كامل في بعض الأعمال، نظراً لدقة التفاصيل التي يتطلبها الفن الرقمي الحديث، ما يعكس وعياً فنياً متقدماً وقدرة على مواكبة تطورات المشهد الإبداعي المعاصر، بأعمال تنافس جودة الرسم اليدوي التقليدي .
الإعاقة… دافع لا عائق
رغم الإعاقة الجسدية، رفض مساعد أن تكون عائقاً أمام شغفه، بل حوّلها إلى دافع إضافي للإبداع، مستثمراً الفن الرقمي كمساحة أوسع للتعبير، ومثبتاً أن الإرادة حين تقترن بالإيمان بالموهبة والطموح، قادرة على تجاوز أقسى التحديات.
إنجازات رياضية ملهمة
لم يقتصر تميزه على الفن فحسب، بل برز أيضاً في الرياضة، حيث حقق عدداً من الإنجازات في ألعاب القوى:
الميدالية الذهبية في سباق 100 متر، والفضية في 200 متر، في أول مشاركة له بمحافظة جازان.
المركز الأول على مستوى المملكة في سباق 100 متر ببطولة الرياض.
المركز الأول في سباق 100 متر، والثاني في 200 متر ببطولة جدة، محققًا ميداليتين (ذهبية وفضية).
المركز الأول في لعبة البوتشي ببطولة حائل، مع ميداليتين (ذهبية وفضية).
حضور فني ورسالة إنسانية
بدأ شغف مساعد بالرسم الرقمي من حبه للتصوير، وتأثره بشخصيات الملوك والأمراء. ويمتلك اليوم مهارة وقدرة عالية على ترميم الصور القديمة بالأبيض والأسود، وتلوينها بدقة واحترافية عالية. ورغم أنه لم يشارك حتى الآن في معارض فنية، إلا أنه يحلم بعرض أعماله على لوحات البيلبورد، والمشاركة في بوليڤارد مساعد يحتاج الدعم اللازم وتشجيع لموهبته الرقمية، مؤكداً أن الإبداع قادر على الازدهار رغم كل الظروف.
ختام
يمثل الفنان الرقمي والرياضي مساعد خالد الحربي نموذجاً سعودياً ملهماً، يجمع بين الإبداع الفني، والإنجاز الرياضي، وقوة الإرادة. وهو قصة نجاح تستحق كل دعم ومساندة، لتوسيع نطاق حضوره الفني، وإبراز موهبته بشكل أوسع، بوصفه مصدر إلهام للأجيال القادمة.





