✒️ راضي غربي العنزي – كاتب سعودي
لم أعد أبحث عن راحة عابرة تشبه إغفاءة قصيرة في زحمة يوم ثقيل، بل عن هدنة طويلة، صادقة، أضع فيها قلبي جانبًا دون خوف من أن يوقظه شيء. هدنة لا تُعلن في نشرات الأخبار، ولا تُوقّع في غرف السياسة، بل تُكتب في الداخل، حيث لا شاهد إلا الله، ولا حكم إلا طمأنينته. صرت أتساءل في صمت لا يسمعه أحد: متى بدأت أثقل إلى هذا الحد؟ ومتى صار القلق رفيقًا يسبقني إلى كل مكان، يقطع عليّ ضحكاتي قبل أن تكتمل، ويذكّرني بما هربت منه لحظة بعد أخرى، كأنه موظف نشيط في ذاكرة الألم.
أحاول أن أستعيد آخر يوم ضحكت فيه بصدق، لا مجاملة فيه ولا محاولة إقناع للآخرين بأنني بخير، فلا أجد في الذاكرة سوى ظلال باهتة. كأن الفرح مرّ بي مرور السحاب، ولم يشأ أن يترك أثرًا. أصبحت أحادث نفسي أكثر مما أحادث البشر، لا لأنني زاهد في الناس، بل لأن نفسي صارت الأصدق، والأقرب، والأكثر فهمًا لما لا يُقال. أشرح لها ما أعجز عن قوله للآخرين، وأربّت عليها حين تتعب، وأساومها على البقاء، كأنني أحاول أن أكون حاضرًا بينما شيء في داخلي ينسحب بهدوء، دون ضجيج، ودون وداع.
وفي خضم هذا الانسحاب الصامت، أدركت أن ما أحتاجه ليس رحلة هروب، ولا نومًا طويلًا، ولا ضحكة مستعارة من إعلان عابر، بل يقينًا. يقينًا يطمئن القلب، يلمّ شعثه، ويعيد إليه قدرته على الثبات. أحتاج مكانًا آمنًا، لا ينهار حين أنهار، ولا يطالبني بأن أكون أقوى مما أستطيع. مكان لا يوبّخني على ضعفي، ولا يسخر من تعبي. وهنا، وبهدوء لا يشبه المعجزات الصاخبة، وجدت أن هذا المكان ليس جغرافيا، بل إيمان. ليس فكرة معلّقة، بل توحيد صافي، يُنزَّه فيه الله عن كل نقص، ويُعظَّم بلا تشبيه ولا تمثيل، ويُحبّ لأنه أهل للحب.
الله… حين يُذكر باسمه وحده، تهدأ الأشياء. وحين يُوحَّد، تستقيم الفوضى الداخلية. وحين يُعظَّم، تصغر الأوجاع دون أن تختفي، لكنها تفقد قدرتها على السيطرة. يقول الله جلّ جلاله في كتابه الكريم:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد: 28].
ليست الطمأنينة هنا وعدًا مؤجلًا، بل فعل حاضر، يحدث الآن، كلما صدق الذكر، وخلا من الاستعراض، واتصل القلب بربّه اتصال المحتاج لا المتفاخر.
وفي لحظة شكّ، تذكّرت قول النبي ﷺ، وهو يضع ميزانًا عجيبًا للطمأنينة:
«عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» رواه مسلم.
حديث لا يجمّل الألم، لكنه يمنحه معنى، والمعنى نصف الشفاء.
كان سقراط يقول، وهو الذي أتقن السخرية من ادّعاء المعرفة: إن النفس المضطربة لا تُشفى بتغيير العالم، بل بفهم الذات. وجاء ابن عطاء الله السكندري ليهمس في المعنى ذاته: «ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة». أما نيتشه، على قسوته، فكان يعترف أن من يملك “لماذا” يعيش من أجله، يتحمّل أي “كيف”. وكلهم، على اختلاف مشاربهم، التقوا عند حقيقة واحدة: أن الداخل إذا صلح، لان الخارج، أو على الأقل، فقد سلطته.
أذكر قصة حديثة لرجل بسيط، فقد عمله فجأة، وتراكمت عليه الفواتير، وضاق صدره حتى ظن أن الحياة أعلنت الحرب عليه. لم يفز بوظيفة سريعة، ولم تتغير الظروف بين ليلة وضحاها، لكنه قرر شيئًا واحدًا: أن يبدأ يومه بصدق مع الله، دون شكوى مسرحية، ودون تديّن متكلف. بعد أشهر، لم يصبح غنيًا، لكنه صار مطمئنًا، وقال جملة لا تُنسى: “لم تتغير حياتي كثيرًا، لكنني أنا الذي تغيّرت، فلم تعد الحياة قاسية كما كانت”. تلك ليست معجزة، بل ثمره توحيد صادق.
لسنا في ساحة امتحان لا تنتهي، ولسنا أعداء لهذا العالم كما نتصور أحيانًا. نحن عابرون نحاول أن نفهم، ونتعثر، ثم ننهض. والله، سبحانه وتعالى، لم يخلقنا ليكسرنا، بل ليعرّفنا به، ويقودنا إليه بلطف، ويحتوينا بحكمته، ويحفظنا بعنايته التي لا تنام.
في الختام، أقولها بطمأنينة لا ادّعاء فيها: حين نتعب، لا نحتاج أن نكون أقوياء أكثر مما نستطيع، بل أن نكون صادقين أكثر مما اعتدنا. أن نعود إلى الله توحيدًا وتعظيمًا، لا هروبًا ولا تبريرًا. هناك فقط، تبدأ الهدنة، ويستريح القلب، ويبتسم العالم، ولو قليلًا.
●ابتسم الآن … فأنا أكتب من أجلك … ولأضيء…للآخرين ..!
الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438
Radi1444@hotmail.com



