وضـحى: أمومةٌ رحلت وبقيت حيِّة فينا

بقلم: عبدالرحمن فهد الروقي
الحمدُ للهِ الذي قدَّر المقادير فأحكمها، وأجرى الأقدار فأنفذها، فلا رادَّ لحكمه، ولا معقِّب لقضائه، علِمَ ما أُسِرَّ في الصدور قبل أن تنطق به الألسن، واطلع على خفايا القلوب قبل أن تخطر في الظنون، وكتب الفناء سنِّةً ماضية في اللوح المحفوظ، لا تتخلِّف ولا تحابي، وجبل هذه الدنيا على الرحيل والزوال، فلم يجعل لبشرٍ فيها بقاءً، ولا لنعيمٍ فيها دوامًا، وجعل البقاء له وحده، والفناء لعباده، فقال سبحانه تقريرًا لحقيقةٍ لا تتبدِّل، وسنِّةٍ لا تستثني أحدًا، ولا تفرِّق بين قويٍّ وضعيف، ولا بين محبوبٍ ومحبوب:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وقال تعالى:﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾.
والصلاة والسلام على سيد البررة، ونبي الرحمة، محمدِ بنِ عبدِ الله ﷺ، الذي ذاق لوعة الفقد، وعرف مرارة المصاب، وبكى حتى فاضت عيناه رحمةً لا جزعًا، وحزنًا لا سخطًا، وقال يوم أُحد كلمته الخالدة التي لا تزال أنينًا في قلوب المفجوعين، وعزاءً لكل من ذاق طعم الفقد: «لن أُصابَ بمثلِ ما أُصبتُ به اليوم»، فكان حزنه رحمةً للأمة، وبكاؤه وفاءً للأحبة، وكلماته عزاءً للمنكسرين، وسيرته ملاذًا لكل قلبٍ أثقله الحزن، وأرهقته الفجائع.
أما بعد:
فإن هذه الدنيا – وإن أقبلت بزخرفها، وأظهرت من بريقها، ولبست ثوب الإغراء – خادعةٌ غادرة، لا تُؤتمن، ولا يُركن إليها، تضحك ساعةً لتُبكي أعوامًا، وتُعطي لتسلب، وتمنح لتأخذ، وكل ما فيها إلى تغيِّرٍ وفناء؛ فلا صحة تدوم، ولا عمر يبقى، ولا فرح يثبت، ولا وجع يزول عن حاله. الصغير يكبر ليشيخ، والشيخ يمضي ليغيب، والجميع يسير إلى الموت وإن غفل عن ميقاته، وتبقى الحقيقة قائمة، والسنة ماضية، لا تُدفع بتمنٍّ ولا تُؤجَّل برجاء: «أحبِبْ من شئتَ فإنك مفارِقُه
واعملْ ما شئتَ فإنك ميتٌ».
وفي ظل هذه الحقيقة تتكسِّر القلوب، وتخور الآمال، وتفيض العيون بالدمع؛ لا اعتراضًا على القضاء، ولا تسخطًا على القدر، ولكن صدقًا في المشاعر، فالحزن فطرة، والدمع رحمة، والبكاء وفاء لمن سكنوا القلوب ثم غابوا، وتركوا خلفهم فراغًا لا يملؤه شيء. في ذِمَّةِ اللهِ ما ألقـى وما أجـدُ
أهذِهِ صَخرةٌ أم هذهِ كبِدُ قد يقتلُ الحُزنُ مَن أحبابُهُ بَعُدوا
عنه فكيفَ بمن أحبابُهُ فُقِدوا
وفي يومٍ كُتبت ساعاته بجرحٍ لا يندمل، وخُطِّت لحظاته بمداد الدموع، ووجلت فيه القلوب من بليةٍ هبطت بغتة، واخترم فيه القدر الأزلي- بأمر لله تعالى- حياةَ تلك المرأة العظيمة التي أجمعت القلوب على حبها، وشهد لها القريب قبل البعيد، وعرفت فضلها الألسن قبل الأقلام؛ يومٌ لم يكن كغيره، ولا مرَّ مرَّ الكرام. يومٌ حُمِل فيه الحزن في الصدور قبل أن يُحمَل الجسد على الأكتاف؛ ففي عصر يوم الاثنين الموافق 18 / 1 / 1447هـ، وعند الساعة الثالثة ظهرًا، في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بجدة، انتقلت إلى رحمة الله الصالحة المحتسبة وضحى بنت منير بن فواز الثعلي الروقي، بعد رحلة صبرٍ طويلة، ومجاهدةٍ صامتة، لم تكن فيها إلا راضيةً مسلِّمة.
وحُملت على الأكتاف تلك التي ما أثقلت يومًا قلبًا، ولا ضيِّقت صدرًا، ولا أوجعت خاطرًا؛ حُملت وهي أخف علينا من أن تُحتمل، وأثقل من أن تُودَّع. كانت الأكتاف تمضي بها، لكن القلوب كانت أسبق، ترتجف لا من ثقل الجسد، بل من وطأة الفقد. كل خطوة كانت رجاءً موجِعًا ألا تمضي، وكل دمعة كانت شهادةً صادقة أن الوداع أكبر من الكلمات. لم تكن جنازةً عابرة، بل انكسارًا يمشي، وحزنًا يتقدم في صمت، وألمًا يرافقه الدعاء.
وصُلِّي عليها صلاة العشاء في الحرم المكي، حيث اجتمع الدعاء مع رهبة المكان، وارتفعت الأكف بين أروقة الطهر ترجُو لها الرحمة، وتستجدي لها المغفرة، وتبتهل أن تكون تلك اللحظات بردًا وسلامًا عليها، ثم سارت بعدها إلى مقبرة الشهداء، فأُودِعت الثرى هناك، وغاب الجسد تحت التراب، وبقي الألم حاضرًا لا يُوارى، وبقي الفراغ أكبر من أن يُملأ، وبقي الذكر شاهدًا لا يموت.
لم يكن فقدُها خبرًا يُتداول، ولا سطرًا يُقرأ، بل انطفاءً لشيءٍ عميقٍ في الداخل. منذ غابت، تغير شكل الأيام؛ بات الصباح أقل ضياء، والمساء أطول انتظارًا، وكأن الزمن فقد مرشده، فصار يمشي متثاقلًا بلا اتجاه. كانت حضورًا لا يُرى أثره إلا عند غيابه؛ تُصلح دون أن تُعلن، وتُعطي دون أن تُذكر، وتحتوي دون أن تشكو. وجودها لم يكن ضجيجًا، بل طمأنينة، ولم يكن افتخارًا، بل أمانًا، ولم يكن كلامًا، بل فعلاً صادقًا.
تلك المرأة العظيمة؛ باسطة اليد للبعيد والقريب، خفيفة الروح، سمحة النفس، مسارعة إلى كل خير، أواهةً أوابة، صابرةً صالحة، مصلِّيةً عابدة. ما رُئيت إلا وكان البر قرينها، ولا ذُكرت إلا وتقدَّم فعلُها قولَها. تعطي عطاء من لا يخشى إلا الله، وتقول بصدق النيِّة وصفاء القلب: (أعطوا فلانًا من صرافتي… أكرموا فلانًا… اشتروا لفلان… ساعدوا فلانًا)، حتى غدت صرافتها بابًا من أبواب الفرج، وملاذًا للمحتاجين، وموضع أملٍ لكل مكسور.
ولم يكن عطاؤها محصورًا في المال، بل كان خُلُقًا يسري في أدق تفاصيل حياتها؛ فبقايا الطعام في بيتها لم تكن تُرى فضلةً تُلقى، بل نعمةً تُصان، ورحمةً تُوجَّه، لا يخرج شيءٌ إلا وقد جُعل له مقصدٌ، ولا يُرفع فضلٌ إلا وقد سبقته نية؛ تُقسمه على من يحتاج، أو تُرسله حيث تعلم أن يدًا تنتظر وبطنًا جائعًا، وتقول بيقينٍ صافٍ: (هذا عني وعن المسلمين والمسلمات).
وفي البيت نفسه كان صندوق الأمانات قائمًا؛ لا يُحفظ فيه المال فحسب، بل تُصان به الحقوق، وتُستودع فيه الأسرار، ويطمئن عنده الخائف قبل المحتاج؛ ثقةً في أمانتها قبل الصندوق، فلا يُفتح إلا بحق، ولا يُمس إلا بورع، ولا يُخرج منه شيءٌ إلا في وجهٍ تعلم أنه يرضي الله.
وأما الضيف، فكان في بيتها صاحب الدار ما أقام؛ يُكرَم قبل أن يُسأل، ويُقدَّم له الطعام قبل السؤال عن الخبر، وتُبسط له الوجوه قبل الموائد؛ فكانت الضيافة عندها شكرًا للنعمة، وصونًا للفضل، وامتدادًا لتلك الرحمة نفسها التي تحفظ الطعام، وتصون الأمانة، وتفتح الأبواب للناس بلا منٍّ ولا أذى
وحتى إذا بلغ المرض مبلغَه، واشتد الألم، بقيت كما كانت؛ تعطي وتواسي، لا يمنعها وجع، ولا يثنيها ضعف، ولسانها لا يفتر عن الذكر، وقلبها معلق بالسماء رجاءً وتسليمًا. كم مسحت رؤوس أيتام، وكم كفلت حتى كبروا، وكم رعَت أسرًا حتى يسر الله لهم أبواب الخير. كريمة لا ترد سائلًا، ولا تمنع عطاءً؛ يأتيها الضيف فيجد الأمان، ويغمره الحنان، وتسأل ربها يقينًا لا الناس إلحافًا.
كنتُ في حضرتها أملك كل شيء، وفي رحيلها خسرت أشياء لا تُعد. كانت توقظني بالطعام، وتنزع رداءها لتدفئني، وتحتويني بعطفها، كأن الرحمة خُلقت لتقيم في قلبها، وكأن الدفء لا يعرف طريقه إلا إلى كنفها. كانت أمومةً لا تُستبدل، وحنانًا لا يُعوَّض.
ابتُليت بأمراض عضال؛ السرطان والزهايمر، لكنها صابرة محتسبة، تقول بيقين المؤمن: (ما عند الله خير)، وتردد بتسليمٍ يملأ القلب: (ربي أحبني). وفقدت ولدها الوحيد، فكانت مثال الصبر، وقالت بصدقٍ موجِع: (اللهم إني قد رضيتُ عنه، فارضَ عنه). فكان رضاها شهادة، وصبرها مدرسة.
ومن لطيف ما يوجِع القلب ذكرُه، ويأبى أن يبرح الذاكرة مهما حاول المرء أن يتناسى، أنني ذاتَ مرةٍ كنتُ قادمًا من مكة المكرمة، مُثقَلًا بطول الطريق، وبما تحمله النفس من تعبٍ لا يُرى. مررتُ عليها كما اعتدت، وجلستُ عندها زمنًا طال حتى أخذ النعاس يغالِبني، لا لأن الحديث كان مملًّا، بل لأنه كان دافئًا، مطمئنًا، يشبه حضن الأمهات حين يصفو القول، ويخرج من القلب بلا تكلِّف ولا تصنع. كانت تُحدثني حديث من لا يستعجل الكلام، ولا يبدِّده، حديث من يعرف أن بعض الكلمات تُقال لتبقى.
كان حديثنا عن الأجر والثواب، عن الإنسان حين يُطوى اسمه من الدنيا، ولا يبقى منه إلا أثره، وما يمد العمر بعد الموت، ويُبقي الذكر حيًّا وإن غاب الجسد. عندها التفتت إليِّ، والتفاتتها لم تكن عابرة، بل كانت نظرة أمٍّ تخاف أن ينقطع الخير من حيث لا يشعر الأبناء، نظرة من يحمل همِّ الآخرة أكثر مما يحمل همِّ الدنيا. قالت بصوتٍ خافت، لكنه وقع في القلب كالوخز:
(يا ولدي… لا تقطع أجر والدك، اطبع كتبه).
لم يكن كلامها طلبًا، ولا عتبًا، بل خوفًا صادقًا على صدقةٍ جارية، كأنها ترى الأجر بعينها، وتخشاه أن يخبو أو ينطفئ. قلتُ لها: يسِّر الله ذلك، وأنا أظن – بسذاجة الاطمئنان – أن الكلمة قد أغلقت الباب، وأن الأمر انتهى عند هذا الحد.
خرجتُ من عندها، ولم أبتعد كثيرًا، حتى رنّ الهاتف بصوتٍ أربكني؛ أخي يقول: الجدة تبكي. لم أفهم أول الأمر، وسألته بدهشةٍ موجِعة: لِمَ تبكي؟ قال: تقول ما عندي مبلغ لطباعة الكتب.
عُدتُ مسرعًا، لكن الخطوات هذه المرِّة لم تكن كالأولى؛ كأن الطريق قَصُر فجأة، وكأن القلب سبق الجسد، وكأن شيئًا في الداخل كان يستشعر وجعًا أكبر من الدموع. دخلتُ عليها، فإذا بها تبكي بكاءً لا صراخ فيه، ولا شكوى، بكاء امرأةٍ خافت أن تكون سببًا في انقطاع أجر، لا في فوات مال. كانت تمسح دموعها بيدٍ مرتعشة، وتقول بصوتٍ مكسور:
(ليه تقطع أجر أبيك؟).
وفي تلك اللحظة، أدركتُ أن البكاء ليس ضعفًا، بل أمانة، وأن الخوف ليس على الدنيا، بل على الآخرة، وأن بعض الدموع تُسكب خوفًا على غير أصحابها. طمأنتها، وقلتُ لها إنني ماضٍ في طباعة الكتب، وإن الأمر قد عُزم عليه، فما كان منها إلا أن هدأت فجأة، كأن الدموع كانت حبيسة هذا الهم وحده، فلما زال، سكنت النفس، واطمأن القلب. رأيتُ في وجهها راحةً لا تُوصَف، كأن روحًا كانت معلقة قد أُعيدت إلى موضعها. لم تكن ترى الكتب أوراقًا، بل كانت ترى فيها عمرًا يمتد بعد الموت، ودعاءً لا ينقطع، وأجرًا يسري إلى قبرٍ تحبه، وتخشى عليه من الوحدة.
وكانت — رحمها الله — تُحدّثني دائمًا بصدق الحديث، ولطيف القول، تكلمني وكأنها تخاف أن يُمحى المعروف من الذاكرة، أو يُنسى الفضل مع تقادم الأيام. لم تنسَ يومًا معالي شيخنا الكريم صالح بن حميد من صالح دعائها، وكانت تُوصي به خاصةً في العشر الأواخر من رمضان، تذكر فضله وتشجيعه، وما أسداه من دعمٍ كان له أثرٌ عميق في مسيرتي العلمية. وكنتُ كلما سمعتها تذكره بالدعاء، أسأل نفسي في صمتٍ موجِع: أيُّ قلبٍ هذا الذي يتسع لكل هذا الوفاء، ولا ينسى المعروف، حتى وهو مثقل بالمرض، وبالسنين، وبأوجاع الجسد؟
ثم كان آخرُ ما جمعني بها موقف لا يشبه ما سبقه، كأن الزمن فيه أبطأ خطاه، وكأن المكان كان يعلم أنه مجلس الوداع.
سألتني عن معاليه، كما اعتادت، سؤالًا لم يكن بدافع الفضول، بل بدافع الوفاء الذي لا يخفت. فذكرتُ لها خيرًا، وطمأنتها، فابتسمت ابتسامةً واهنة، لا تكاد تُرى، ثم سكتت.
سكتت طويلًا…
سكونٌ لم يكن فراغًا، بل امتلاءً بالصمت، صمتٍ ثقيلٍ يشبه الصمت الذي يسبق الرحيل. أخذت تنظر إليِّ نظرةً لم أعرف لها تفسيرًا في حينها؛ نظرةً ثابتة، متأملة، فيها لهفةٌ، وفيها طمأنينةٌ غريبة، كأن القلب كان يرى ما لا أرى، ويتهيِّأ لما لم أكن مهيِّأً له. لم تكن نظرة مريضٍ، بل نظرة مودِّعٍ يعرف أن الوقت ينسحب ببطء.
مدت يدها نحوي، وأمسكت بيدي. لم تشد، ولم ترتعش؛ كانت يدًا هادئة، على غير عادة الوداع، كأنها تريد أن تطمئنني، لا أن تستمسك بي. بقيت ممسكةً بها لحظةً أطول مما اعتدناه، لحظةً شعرتُ فيها أن كل ما مضى من العمر يمر بين الكفين، ثم قالت بصوتٍ خافت، كأنه يأتي من مسافةٍ بعيدة:
(أنا بخير… ادعُ لي يا ولدي).
لم تقل إنها متعبة، ولم تشتكِ، ولم تطلب شيئًا من الدنيا. لم تقل: لا تتركني، ولا قالت: أخاف. اختصرت كل ما بقي في كلمة دعاء، وكأنها كانت تودعني وتسلم نفسها في آنٍ واحد. في تلك اللحظة، شعرتُ أن القلب انقبض قبل أن يفهم العقل، وأن اليد التي بين يدي قد تُفلت قريبًا، وأن هذا الإمساك ليس عاديًا، بل وصية صامتة.
كنتُ أودُّ أن أقول شيئًا… أي شيء. لكن الكلمات خانتني، وبقي الدعاء معلقًا بين صدري وشفتي. خرجتُ من عندها، وما زالت حرارة يدها في كفي، كأنها أثرٌ لا يريد أن يزول. ولم أكن أعلم أنني خرجتُ هذه المرة تاركًا خلفي آخر مجلس، وآخر سؤال، وآخر نظرة، وآخر طلبٍ بسيطٍ موجِع: أن أدعو لها. ومنذ ذلك اليوم، كلما دعوتُ لها، عادت تلك النظرة، وعاد ذلك الإمساك، وعاد الصوت الخافت يقول: أنا بخير…
وأدركتُ متأخرًا أن من يقولها في آخر مجلس، إنما يقولها ليُطمئن من بعده، لا ليصف حاله.
وكان من دعائها الذي لا تمله: (يا رب، لا تجعلني ثقيلة في الحياة ولا في الممات… اجعلني خفيفة)، فدعت بحسن الخاتمة، فأحسن الله خاتمتها. رحلت كما عاشت؛ خفيفة، هادئة، مطمئنة، لا تشتكي، ولا تثقل على أحد.
ثم مضت… ومضى معها شيءٌ من الدفء، وركنٌ من الطمأنينة. غاب جسدها، وبقي أثرها، وغاب صوتها، وبقي دعاؤها. إن الفقد لا يُقاس بطول الغياب، بل بعمق الأثر، وأثرها في القلوب كسرٌ لا يبرأ، وحنينٌ لا يخفت.
رحلتِ يا جدتي، وبقي القلب كلما ضاق يقول:
اللهم إن وضحى كانت لنا رحمة، فاجعلها اليوم في رحمتك.
يا الله… إن وضحى لم تكن لنا جسدًا فحسب، بل كانت رحمةً تمشي، وسترًا يُظلنا، ودعاءً يسبقنا. فإن غابت عن أبصارنا، فهي عندك أقرب، وبين يديك أرجى، وفي رحمتك أوسع. اللهم اجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، واجعل وحشتها أنسًا، وصمتها ذكرًا، ونومها طمأنينة. اللهم إن فقدها أوجعنا، فلا تحرمنا أجر الصبر، ولا تحرمها تمام الرحمة.
وما كتبتُ هذا، ولا تجرأتُ على تسطير حرفٍ واحد، إلا بعد أن قال لي شيخُنا الكريم، العالم الأصولي المفيد، المهدي الحرازي – حفظه الله – كلمةً أعادتني إلى المعنى بعد الانكسار، وأمسكت بيدي وأنا على شفا الصمت، فقال:
(الحب الصادق أن تُبرز مكانتها، وأن تُبيِّن مآثرها؛ فابكِ، فالبكاء رحمة).
فكانت كلمته إذنًا للقلب أن يتكلِّم، وترخيصًا للدمع أن ينهمر، بعد أن ضاق الصدر، وعجز اللسان.
وقد بلغ بي فقدها مبلغًا عظيمًا، حتى أثقل الحرفَ أن يُكتب، وأعيا المدادَ أن يُقال، وكأن القلم – كلما همّ أن يسطر – ارتدّ إليِّ يقول: تلك حبيبة العمر… فبأيِّ شيءٍ تبتدئ؟
أعن شفقتها أكتب؟ أم عن عطفها الذي لم ينفد؟
أم عن رحمةٍ اتسع لها اليتيم، والمسكين، والغريب، قبل القريب؟
تلك هي وضحى… أم اليتامى، التي لم تُنجبهم من رحمها، لكنها احتضنتهم بقلبها، وربتهم بعطائها، وسترَتهم بدعائها.
فالحمدُ للهِ الذي قدَّر فأجرى، وجعل في البلاء رحمة، وفي الصبر أجرًا، وفي الذكر بقاء. وإنا على فراقها لمحزونون،
لكنا على وعد اللقاء مطمئنون. تلك هي حقيقة تلك المرأة العظيمة؛ امرأةٌ عاشت ما يقارب قرنًا إلا قليلًا، فلم تكن سنواتها أرقامًا، بل كانت حياةً عظيمةً، امتلأت بالشمائل الطيبة، والأخلاق النبيلة، والمواقف التي تُختصر بها السيرة، ويُعرف بها الإنسان. فلما غابت، غاب معها شيءٌ كثير من الجمال، وسكتت تفاصيل كانت تُنير الأيام بصمتها.
وليعذرني الناظر إن أمتدت الأحرف، وطال الكلام، فما كان ذلك تكلّفًا، ولا إسهابًا، ولكن القلم أصر أن ينثر هذه الخلجات؛ لتكون رفعةً لها، وتذكيرًا بفضلها، وإشادةً بحياتها، ووفاءً لامرأةٍ لم تعرف الضجيج، لكن أثرها بقي عميقًا لا يُمحى.
فأسألُ اللهَ العظيم، رب العرش الكريم، أن يتولاها بعفوه وكرمه، وأن يحرم جسدها على النار، وأن يجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، وأن يجمعها بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
إنه جوادٌ كريم، بيده الرحمة، وإليه المصير.


