ما لي لا أرى الهدهد ؟ !!!
حين يسأل الموحِّد قبل أن يعاقب، تتحوّل السلطة إلى نور، ويصير العدل عبادة.
✒️ راضي غربي العنزي – كاتب سعودي
{وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَأْذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ}.
هذه ليست آياتٍ عن غياب طائر، بل عن حضور التوحيد في أرفع مقام للسلطة. السائل هنا ليس ملكًا عاديًا، بل نبيّ الله سليمان عليه السلام، الموحد أشدّ التوحيد، الذي سخّر الله له الريح، وعلّمه منطق الطير، وأفهمه لغاتٍ لا تُحصى، وفتح له أبواب ملكٍ لم يُفتح لأحدٍ غيره. ومع كل هذا الفضل الإلهي، ومع هذا التمكين الذي لو وُضع على بشرٍ غير نبي لأغواه، يبدأ المشهد بسؤال… لا بعقوبة.
الله جلّ جلاله، الواحد الأحد، الحكيم العدل، لا يذكر القصص عبثًا. يذكرها ليُقيم بها ميزان الحياة. في هذا التفقد تعليمٌ ربانيٌّ ناعم: أن التوحيد الحق لا يُنتج طغيانًا، بل يُنجب عدلًا. وأن من عَرَف الله حق المعرفة، نزّه حكمه عن الهوى، وربط قراره بالله، وقدّس الحق قبل أن يرفع السيف.
سليمان عليه السلام كان قادرًا أن يُنهي الغياب بأمرٍ واحد، لكنه أراد أن يُقيم الحجة، لأن الله الذي آتاه الملك هو الله الذي يحب العدل. {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}. لذلك جاء التهديد مؤطَّرًا بالعدل، ومعلَّقًا بشرط: سلطان مبين. حجة واضحة، برهان صادق، سببٌ يُسمع قبل أن يُدان. هذه فلسفة الحكم حين تمرّ عبر التوحيد.
الساخر في المشهد أن الهدهد، الطائر الصغير، هو من يحمل الخبر الأعظم. هنا يُسقط الله معيار الحجم، ويُعلي قيمة الصدق. لا وزن للمناصب إن خلت من الحجة، ولا قيمة للصمت إن كان يحمل رسالة نجاة. يقول الحكماء إن الحقيقة قد تأتي على هيئة همسة، وكان نيتشه يرى أن أعظم الأفكار تولد في العزلة، بينما يهمس جلال الدين الرومي بأن النور لا يستأذن الأبواب العالية. وكلهم، حين تُدمج أقوالهم في نهر الإيمان، يشيرون إلى معنى واحد: أن الله يرفع بالصدق لا بالشكل.
وفي قلب هذا كله، يتجلّى تمجيد الله وتنزيهه بلا تكلّف. فالله هو الذي علّم سليمان، وهو الذي سخّر له الكون، وهو الذي جعل السؤال عبادة، والعدل طريقًا إليه. لا قدرة إلا بالله، ولا حكم إلا بما يُرضيه، ولا سلطان إلا بإذنه. لذلك قال سليمان عليه السلام بوعي الموحِّد: {هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ}. ربط النعمة بالله، وربط الاختبار بالله، وربط نفسه بالله، فنجا من فتنة الملك.
ويأتي صوت النبوة الخاتمة ليؤكّد المنهج، فيقول رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ» رواه البخاري ومسلم. الرفق هنا ليس تراجعًا، بل كمال سيطرةٍ على النفس، ومن ملك نفسه قربه الله.
وفي قصة حديثة تُشبه المرآة، تأخّر موظفٌ شاب عن عمله أيامًا بلا إشعار، فاستعدّت الإدارة للفصل. مديره، وقد تعلّم أدب السؤال قبل العقوبة، اتصل لا ليوبّخ بل ليسأل. كان الشاب في مستشفى حكومي يرافق والدته بعد جلطة مفاجئة، هاتفه تكسّر، وملفه الوظيفي يشهد له بالإخلاص. عاد بعذرٍ صادق، وبسلطانٍ مبين، وعادت الثقة أوسع مما كانت. هكذا تُدار الحياة حين يُربط القرار بالله، لا بالغضب.
الملحمي في القصة القرآنية أن أعظم ملكٍ لم يُفسده الملك. والفلسفي أن السؤال قد يكون أعدل من ألف عقوبة. والمؤمن يرى أن كل ذلك تعليمٌ من الله، تنزيهًا له عن الظلم، وتقديسًا لحكمته، وتوحيدًا لا ينفصل عن السلوك. فمن تعلّم أن يسأل كما سأل سليمان، عاش كريمًا، وحكم عادلًا، وخرج من كل غياب ببرهانٍ يُرضي الله.
ابتسم الآن … فأنا أكتب من أجلك … ولأضيء..للآخرين..!



