كتاب واصل

الملف السري لحسن الظن….! The Confidential File of Good Faith….!

«الله ألطفُ بنا من خوفنا، وأقربُ إلينا من قلقنا، وأحكمُ في تدبيرنا من ظنوننا… ومن عرفه حقًّا، اطمأنّ ولو اضطرب كلُّ شيء»

✒️ راضي غربي العنزي – كاتب سعودي

ليس التفاؤل جملةً تُعلَّق على جدار الروح، ولا ابتسامةً تُستدعى مجاملةً للحياة، بل هو موقف إيمانيّ عميق، يبدأ حين يُسلِّم الإنسان أن ما يريده الله كائن، وأن الخير ليس دائمًا فيما نختاره نحن، بل فيما يختاره لنا الله بحكمته التي لا تُخطئ، وبرحمته التي لا تغيب، وبعلمه الذي يسبق خوفنا خطوةً ويطوّق ضعفنا بحفظه.

حين يكون القلب واسعًا بالله، تتّسع الدنيا تلقائيًا، وحين يضيق القلب بالهواجس، تضيق الحياة ولو كانت ممتدةً إلى آخر الأفق. الإنسان لا يُهزم غالبًا من الواقع، بل من طريقته في قراءته. ولهذا قال الحكيم الرواقـي إبكتيتوس قديمًا: «ليس ما يحدث لنا ما يؤلمنا، بل تفسيرنا له». وهذا التفسير، عند المؤمن، يبدأ من توحيد الله، وتنزيهه عن العبث، واليقين أن تدبيره كله عدلٌ ولطف.

التشاؤم ليس حذرًا كما يظن بعضهم، بل سوء ظنٍّ مستتر، وانقباضٌ يُرهق القلب قبل أن يُغيّر شيئًا من الأحداث. أما التفاؤل، فهو ثقة هادئة، لا تنكر الألم، لكنها لا تُسلِّمه مفاتيح الروح. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في معنى يلامس هذا العمق: «من وثق بالله رأى العجب»، لأن الثقة تُبدِّل زاوية الرؤية، فتجعل المحنة بابًا، والانتظار معنى، والتأخير حكمة.

الله سبحانه لا يُدير الكون بالصدفة، ولا يترك عباده نهبًا للتيه. هو الواحد الأحد، الحكيم الخبير، الذي يُربّي القلوب كما يُربّي الأحداث. قال جلّ شأنه:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾
آية لا تُطالبك بالفرح القسري، بل بالثقة العاقلة، وبالتفاؤل الذي يعرف أن الخير قد يتخفّى، لكنه لا يضيع.

في حياتنا الحديثة، حيث القلق صار عملة يومية، والناس تُراقب كل تفصيل كأنه فخٌّ محتمل، نحتاج أن نستعيد بساطة الإيمان العميق. أحد الأطباء الشباب حكى قصة قريبة: فشل في مشروعه الأول، تراكمت عليه الديون، وتكسّرت صور النجاح التي رسمها لنفسه. بدل أن يغرق في جلد الذات، قال: «اللهم اختر لي ولا تُخيّرني». مضت أشهر قليلة، وعُرضت عليه فرصة عمل في مجال لم يكن يفكر فيه، ففتح له باب رزق أوسع، وأعاد بناء ثقته، واكتشف أن فشله الأول كان إنقاذًا لا عقوبة. التفاؤل هنا لم يكن تجاهلاً، بل تسليمًا واعيًا.

قال الفيلسوف سبينوزا: «السلام الداخلي لا يولد من السيطرة على العالم، بل من فهم موقعك فيه». والمؤمن يفهم موقعه حين يعلم أنه عبدٌ لربٍّ رحيم، لا يخذل من أحسن الظن به. وجاء في الحديث القدسي:
«أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني»
حديث يُعيد تعريف التفاؤل: هو حسن ظنٍّ بالله، لا غرورًا بالنفس.

التفاؤل لا يعني أن تُلغى الحيطة، ولا أن يُلغى العقل، بل أن يعمل العقل وهو مطمئن، لا مذعور. أن تخطط دون أن تعبد الخطة، وأن تسعى دون أن تؤلّه النتيجة. قال نيتشه – رغم اختلاف المنطلق – قولًا يلتقي مع هذا المعنى: «من يملك سببًا يعيش من أجله، يحتمل أي كيف». والمؤمن يملك أعظم سبب: الله.

وحين يُصبح الله حاضرًا في تفاصيل التفكير، يتحول الفرح من حالة مؤقتة إلى موقف دائم، ويغدو الصدر واسعًا، لأن الحمل لم يعد عليه وحده. يمشي الإنسان في الحياة خفيفًا، لا لأن الطريق سهل، بل لأن الثقة ثقله الوحيد، والثقة بالله لا تُنهك.

في الختام، التفاؤل ليس رفاهية لغوية، بل عبادة قلبية، وشهادة صامتة أن الله أحكم من مخاوفنا، وأرحم من قسوتنا على أنفسنا، وأقرب إلينا من كل ما نخشاه. من أراد أن تتّسع دنياه، فليُوسّع قلبه بالله، ومن أراد أن يفرح حقًّا، فليجعل يقينه أكبر من قلقه، وحسن ظنه أعلى من ضجيج الاحتمالات. هنا فقط، يبدأ العالم في أن يُعيد ترتيب نفسه… من الداخل.

● ابتسم ….فأنا أكتب لاجلك …ولأضئ آخرين….!

*الهيئة العامة لتنظيم الاعلام الداخلي 479438
■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■
Radi1444@hotmail.co

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى