رمضان في التاريخ الاجتماعي

بقلم : د/ سعيد بن عبدالله بن علي جفشر
يعتبر شهر رمضان المبارك من أعظم الشهور عند المسلمين ، لما له من قدسية، فهو شهر الصيام والقيام وقراءة القرآن والذكر والدعاء، ورمضان هو وقت التزود بالطاعات، وتقوية الروابط الأسرية والجماعية، وإحياء قيم التكافل الاجتماعي ومساعدة المحتاجين.
وفي منطقة عسير (السروات التاريخية) بشكل عام ومحافظة سراة عبيدة (سراة جنب التاريخية) بشكل خاص ، كان لسكانها تعامل خاص مع الشهر الفضيل في الماضي ، حيث اعتبر رمضان مناسبة لتعميق الروابط الاجتماعية بين الأسر والجيران، وتوحيد الجهود والتعاون في الأعمال اليومية، سواء الزراعية أو الرعوية، مع تخصيص وقت أكبر للعبادة والذكر. كما ارتبط الشهر الفضيل بالشعور بالأمان والاستقرار المجتمعي، الذي يعتمد على التعاون والتكافل، ويجمع بين بساطة الحياة اليومية وعراقة القيم الدينية. وكان رمضان بالنسبة لهم مناسبة لإحياء الموروث، وأعمال الخير وتعليم الأجيال الصغيرة عادات وتقاليد الآباء والأجداد، ما جعل من الشهر محطة للتجديد الروحي والاجتماعي والثقافي.
وقديماً، كانت هناك طقوس خاصة لاستقبال رمضان ، تبدأ بإطلاق الأعيرة النارية من البنادق كإعلان جماعي عن دخول الشهر المبارك. عند رؤية الهلال، لتنتقل اخبار دخول رمضان من قرية إلى أخرى، لتشكل بذلك وسيلة إعلامية جماعية مبتكرة قبل وسائل الاتصال الحديثة، تعكس الوعي الاجتماعي بأهمية الشهر الفضيل ومكانته في حياة الناس.
إضافة إلى ذلك، كانت هناك عادات اجتماعية مميزة، مثل توزيع التمر على الصائمين حسب توفره وتنظيم وتجهيز المساجد على بساطتها وبساطة أثاثها لاستقبال المصلين، وكذلك تنظيف الطرق المؤدية لها من الأحجار ومن النباتات الشوكية ، وتبادل الزيارات بين الجيران والأقارب،ما يعكس نقل العادات التقليدية إلى الأجيال الجديدة، وتكريس القيم الدينية والاجتماعية في نفوسهم منذ الصغر.
ومن الأمور التي كان تدعم هذه الأعمال الخيريه ما يعرف بالأوقاف التي لعبت دورا محوريا في دعم المجتمع خصوصًا خلال شهر رمضان، حيث ساهمت في تلبية الاحتياجات الدينية والاجتماعية للأهالي. فالأوقاف الزراعية كانت توفر الغذاء للمحتاجين، وتدعم المساجد والمدارس الدينية، وتغطي مصاريف تجهيز المساكين والصائمين وما يعرف بضيوف المسجد،
ومن أبرز الأمثلة على ذلك مما وقفت عليه شخصيا والأمثلة على ذلك كثيرة في جميع قرى المنطقة والمحافظة ويصعب حصرها في هذا المقال وهنا اذكر الوقف التاريخي الموجود في جزعة ال حنيش والذي أوقفه الشيخ علي بن شايع بن الحنيش الجد الأعلى لأسرتي ال جفشر و ال مشعف والذي يعود تاريخه تقريبا إلى أكثر من ٢٥٠ سنه ومازال قائما حتى كتابة هذه الأسطر.
يعكس هذا الوقف الوعي الاقتصادي والاجتماعي لأهالي المنطقة ، وارتباط الأفراد بالمسؤولية الاجتماعية، إذ يظهر أن المجتمع كان يشارك في خدمة الوقف، ويستفيد من إنتاج الأرض جزءًا مقابل جهده، بينما يخصص الباقي صدقة الفقراء والمحتاجين الذين كانوا يصفونهم كما ذكرت أعلاه بـ( ضيوف المسجد) ما يؤكد فكرة التكافل الاجتماعي كقيمة راسخة في المجتمع السعودي.
هذا غيض من فيض ونحن نقترب من أستقبال شهر رمضان الكريم لعام ١٤٤٧هـ رزقنا الله واياكم صيامة وقيامة وجعلنا وجميع المسلمين من المقبولين وحفظ علينا قيادتنا الرشيدة عزا ورفعة للإسلام وللمسلمين.



