كتاب واصل

(وماتت خنساء السعودية)

نايف الخمري / كاتب صحفي

كَأَنَّ المَوتَ لَم يَفجَع بِنَفسٍ … وَلَم يَخطُر لِمَخلوقٍ بِبالِ (المتنبي)

مع وفاة الشاعرة السعودية ثٌريا قابل ورحيلها المُوجع عن دنيانا تراكمت سحائب من الحزن وتركت فراغاً كبيراً وحزناً عميقاً، بفقدها الذي استعصى علينا ابتلاعه واختلطت مشاعر الحُزن والمُواساة مع مشاعر الحب والوفاء مع مساحات الألم والفراق في أوساط المُجتمع السعودي، وفقدها لا يعوض وبوفاتها خسرت الساحة الفنية والأدبية علم من أعلام الأدب والثقافة والشعر، فقدنا برحيلها واحدة من علامات الشعر السعودي ومن أكثر الشُعراء تأثيراً في نفوس المُهتمين والمُتابعين للأغنية السعودية في العصر الحديث بصفة عامة ، أثرت الضمائر والعقول وأسَرت قلوب جيل بأكمله بإبداعها وعطاءها المُفعم بالحب والجمال وستبقى وستظل نجمة ساطعة في سماء الأغنية السعودية تُمثل تاريخاً مُشرفاً، كانت أحد ركائز الأغنية السعودية التي سوف تظل كلمات أغانيها خالدة في تاريخ الأغنية السعودية وسحراً مُستديماً تزداد ألقاً وتوهجاً كلما استمعنا إليها، لم تكن ثريا قابل شاعرة واحدة بل كانت تساوي الكثير، شاعرة تُلامس القلوب والروح والمشاعر لها الرحمة والعزاء للقصيدة الشعرية وللوطن المكلوم بفقدها فهي تنتمي إلى جيل العمالقة من الشعراء والفنانين الذين وضعوا لبانات راسخة للأغنية السعودية أمثال خالد الفيصل ومحمد العبدالله وبدر بن عبد المحسن وصالح جلال وابراهيم خفاجي في العصر الذهبي للأغنية السعودية مع ألحان فوزي محسون وعبدالله محمد، كانت اسم لامع في كُل الاوساط الفنية لا يتكرر، فهي من أشهر الشعراء للأغنية السعودية أرتبط اسمها باسم أشهر الشوارع في مدينة جدة ـ شارع قابل ـ غنى لها كبار المُطربين السعوديين في بداية انطلاقتها في الستينيات الميلادية من خلال تعاونها مع كبار الفنانين السعوديين أمثال فوزي محسون وطلال مداح ومحمد عبده وعبادي الجوهر، والتي أسهمت معهم في صياغة ملامح الأغنية السعودية ومن أشهر كلماتها: من بعد مزح ولعب، واديني عهد الهوى، وتمنيت من الله، وجاني الأسمر التي غنتها الراحلة عتاب، ومين فتن بيني وبينك، وبشويش عاتبني، والله واحشني زمانك حطني جوا بعيونك شوف بيا الدنيا كيف، ولا وربي الأغُنية التي كانت من أروع قصائدها التي تغنى بها الفنان محمد عبده وكذلك أغنية سبحانه، وروح أحمد الله وبس، ويا من في قلبي غلاه. وغيرها الأغاني الخالدة في تلك الفترة التي شكلت فيها تعاوناً مع الفنان فوزي محسون وشكلت علامة فارقة في تاريخ الأغنية السعودية وساهمت في إثراء عقولنا وتشكيل وجداننا، من خلال الأغنية الحجازية الصادحة بلحن الحب والجمال والمعاني الساحرة التي صاغت كلماتها بمهارة لافتة بحسها الوجداني الرفيع ومشاعرها العاطفية الصادقة وأرغمتنا على معايشتها وكانت بوصلة للأغنية السعودية تُحدد لها معالم الطريق وسار عليه الكثير من الفانين في بداية حياتهم. كانت غنية بالثقافة فقد أثرت المشهد الثقافي والأدبي في المملكة العربية السعودية من خلال القصيدة الشعرية والمساهمات الصحفية عندما عملت في الصحافة على فترات وأشرفت على القسم النسائي في صحيفة البلاد، ونشرت أولى مقالاتها النقدية باسمها الصريح في ذلك الوقت ايماناً منها بأن صاحبة الرأي والصفة لا تتوارى خلف الأسماء المُستعارة وإلى جانب تجربتها في صحيفة البلاد أيضاً أشرفت على القسم النسائي في صحيفة عكاظ وهي صاحبة ديوان (الأوزان الباكية) كان أول ديوان شعر نسائي سعودي في تلك الفترة ينشر باسم مؤلفته الصريح حيث قال عنها الأديب والمفكر السعودي وأستاذها الأول محمد حسن عواد إنها أشعر من أحمد شوقي حتى أطلق عليها لقب (خنساء السعودية ) وقد واجهت كثيراً من المصاعب في محاولة نشر ديوانها لكنها تخطّت بكل قوة تلك المصاعب كانت رمزاً للصمُود والجسارة لم تعرف الخوف ولا التراجع، كانت شجاعة بل كانت دائماً صلبةٌ واثقة ذات حسّ ثقافي وفكر عاليين ونجحت كانت ضميراً للمرأة السعودية حينها وكسبت محبة الجميع وقد قالت ذات يوم عن محمد عبده :عندما أسمع صوت الأستاذ محمد عبده أشم رائحة تراب وطني ويعود ذلك لوطنيتها المُخلصة والعصية عن الوصف، رحلت وخلفت إرثاً ثقافياً خالداً يستعصي على الاندثار .رحم الله شاعرة الأحاسيس والمشاعر الرقيقة وتقبلها قبولاً حسناً وأسكنها فسيح جناته، ندعو لذويها وللشعب السعودي بالصبر والسلوان وأن يعوضهم الله خيراً بجيل من النابغين والمُتميزين من أبناء وبنات هذا الوطن الذي طالما فاض بالمواهب المُتميزة والمُتعددة في مختلف الميادين والمجالات

تلويحة :

يقول عبد الله ثابت الشاعر والروائي السعودي الكبير عن موت الشاعر: إذا مات شاعرٌ في مكان ما من هذا الوجود ماتت في مكان آخر شجرة، وتساقطت أوراقها قبل الفجر. إذا مات شاعرٌ انطفأت نجمةٌ، وتخاصم حبيبان وضاع خاتمٌ، وأصبحت الدنيا أقل. إذا مات شاعرٌ أُوصدت نافذ وبكت خلفها الفتاة والسقف والوسادة، وإذا مات شاعرٌ تنسى القهوةُ المواعيد ويعتذر الطلّ من الزهرة، ولا يلتفت الصبح إلى وجه الحمامة، إذا مات شاعرٌ غصّ بنغماته الناي ويرجع الشتاء أشد كآبة…

الشاعرة السعودية ثريا قابل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى