كتاب واصل

حين لا تَردّ …!!

✒️- راضي غربي العنزي – كاتب سعودي

في اللحظة التي تختار فيها الصمت، لا لأنك عاجز، بل لأنك أوعى، يبتسم الله لقلبك، ويطمئن روحك بأن ما تركته له… كفيل به، وأن رحمته أوسع من كل ضجيج، وحكمته أعدل من كل رد.

حين لا تردّ، لا يعني أنك لم تفهم، بل يعني أنك فهمت أكثر مما ينبغي.

فهمت أن بعض الكلمات لا تستحق الخروج من فمك، وأن بعض المعارك لا تستحق أن تحمل اسمك، وأن بعض الناس لا يرتقون إلى مستوى الرد، مهما ألحّوا عليك بالاستفزاز.

التغافل ليس غيابًا، بل حضورٌ أعلى.

ليس انسحابًا، بل اختيارٌ ذكي لمساحة أنظف في الحياة.

هو أن ترى الخطأ، وتراه واضحًا، ثم تقرر أن قلبك أثمن من أن يكون ساحة تدريب لأخطاء الآخرين.

في مجتمعٍ يربط القوة بالصوت العالي، ويخلط بين الجرأة والوقاحة، يأتي التغافل كفعلٍ ناضج، ساخرٍ بهدوء، يُربك من اعتادوا الصدام، ويُربّي النفس على الاتزان.

من يتغافل لا يخسر هيبته، بل يحميها، ولا يفرّط في حقه، بل يوكله لمن لا تضيع عنده الحقوق.

الله… جلّ جلاله، ما أرحمه حين يعلّم عباده أن السكينة عبادة، وأن ضبط النفس توحيد عملي، وأن الثقة به أعظم من ألف ردٍّ متعجل.

هو الله الواحد، المتفرّد بالكمال، المنزّه عن العبث، الحكيم في قضائه، العادل في حكمه، الذي يعلم خفايا الصدور، ويعلم متى نصمت ومتى نتكلم، ويجازي على النية قبل الفعل.

وحين يتغافل الإنسان، فهو لا يُسكت الحق، بل يسلّمه لله، وكأن لسان حاله يقول: حسبي الله، وهو كافٍ، وهو أعلم، وهو أرحم.

قال تعالى:

﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾

الكرامة هنا ليست ضعفًا، بل سموًّا، مرورٌ بلا تلوّث، ونجاةٌ بلا ضجيج.

وفي الهدي النبوي، يكتمل المعنى حين قال ﷺ:

«لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»

فالقوة التي يراها الله ليست في إسقاط الآخرين، بل في منع النفس من السقوط.

قالوا قديمًا: التغافل نصف العقل،

وقال الحسن البصري: ما زال التغافل من فعل الكرام،

وكأن التجربة الإنسانية كلها تضيف همسًا ثالثًا: بل التغافل هو العقل كله، حين يكون نابعًا من وعي، لا من خوف، ومن إيمان، لا من عجز.

ماركوس أوريليوس، وهو إمبراطور وفيلسوف، كان يرى أن أعظم انتصار هو ألا تسمح للإساءة أن تغيّرك، لأنك إن تشبّهت بمن آذاك، فقد خسرت معركتك الداخلية.

وسقراط، حين أُسيء إليه، لم يبحث عن تصفيق، بل عن سلامٍ لا يستطيع أحد انتزاعه منه.

أما نيتشه، فرغم حدّته، أشار إلى أن الإنسان الأعلى هو من يتجاوز الصغائر، لا من يغرق فيها.

وفي قصة حديثة، واقعية، لرجلٍ في محيطٍ اجتماعي مليء بالاستفزاز، كان يُستدرج للرد، ويُختبر صبره علنًا.

اختار التغافل، لا مرة، بل مرارًا.

ضحك البعض، وفسّر آخرون صمته ضعفًا.

مرت الأيام، وانكشفت الطباع، وسقطت الأقنعة، وبقي هو ثابتًا، نظيف السمعة، مطمئن القلب.

لم يحتج أن يبرر، لأن الله تكفّل أن يُظهر الحقيقة في وقتها.

وهنا تتجلى محبة الله لعباده، حين يحفظ قلوبهم من التلوث، ويعوّضهم سلامًا عن كل كلمة لم تُقال، وطمأنينة عن كل ردٍّ تم كتمه.

في سخرية الحياة الجميلة، أكثر من يصرخ يتعب، وأكثر من يتغافل ينجو.

والله، سبحانه، حين يُعبد بهذه الثقة، لا يخذل، ولا ينسى، ولا يترك.

حين لا تردّ، أنت لا تصمت فقط،

أنت ترتقي.

الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

Radi1444@hotmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى