كتاب واصل

﴿…. وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ﴾

"الله لا يمنح على عَجَل، ولا يفيض على قلبٍ مرتجف، بل يهيّئ الروح أولاً ليكون العطاء رحمة لا امتحاناً."

✒️ -راضي غربي العنزي – كاتب سعودي

ليست الآية التي تقول: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ﴾

[هود: 74]

جملة عابرة في سياق تاريخي، بل قانون رباني شديد الرهافة. ترتيبٌ إلهي لا يختلّ: يذهب الروع أولاً، ثم تأتي البشرى. كأن النصّ يقول للإنسان: لن أُدخل الخير إلى قلبٍ ما زال يرتجف، ولن أضع النعمة في روحٍ لم تتعلّم بعد كيف تطمئن بالله.

القلق ليس فضيلة كما اعتدنا أن نقدّمه لأنفسنا. هو حالة توتر مقنّعة بالحذر، واعتراض خفيّ على حكمة الله، وإن لم نقله صراحة. القلق يقول: وماذا لو لم يحدث؟

أما الإيمان فيقول: سيحدث ما أراده الله، وما أراده الله هو الخير، وإن تأخر الفهم. هنا يتمايز القلب الذي يعرف الله عن القلب الذي يعرف الاحتمالات فقط.

نعيش في مجتمع يعلّم الإنسان كيف يقلق، لا كيف يثق. يخوّفك على رزقك باسم الواقعية، ويربكك على مستقبلك باسم الوعي، ويقنعك أن السكينة نوع من السذاجة. والمفارقة أن القلق لا يضيف شيئاً للحياة، بل يسلبها بهدوء. يسرق اللحظة، ويشوّه الجهد، ويُتعب الروح دون مقابل.

الله جلّ جلاله يُنزّه عن العبث، ويُقدّس الترتيب، ويعلم متى يعطي ومتى يؤخر. والتوكل ليس انسحاباً من السعي، بل انسحاب الخوف من القلب أثناء السعي. أن تعمل وأنت مستند على الله، لا متشبث بالنتائج. قال النبي ﷺ:

«واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك»

رواه الترمذي.

هذا الحديث ليس تسلية وجدانية، بل إعادة هندسة للعلاقة مع الحياة، حيث تسقط أوهام السيطرة، ويستقر القلب في موضعه الصحيح: بين يدي الله.

الفلاسفة لامسوا هذا المعنى من بعيد. قالوا إن الإنسان يتألم في توقعه أكثر مما يتألم في واقعه، وأدركوا أن الخوف غالباً وهم مستقبلي. لكن الوحي تجاوزهم حين ربط الطمأنينة بالله نفسه، لا بالحالة النفسية. لأن النفس تتقلب، أما الله فلا يتغير.

نحن لا نعاني من قلة النعم، بل من ضيق الصدر بها. لا نُحرم لأننا لا نستحق، بل نُربك العطاء حين نستعجله بقلق، ونشوّهه بسوء ظن. القلب الممتلئ بالخوف لا يتّسع للبشرى، والقلب المعلّق بالله يتّسع حتى لما لم يكن في الحسبان.

قصة معاصرة تتكرر في صمت: رجل تعطلت مشاريعه فجأة، وتكاثرت عليه الأسئلة الثقيلة. حاول أن يسيطر، فزاد التعب. ثم في لحظة صدق، توقف عن المقاومة، وقال: “يا الله، أنا بين يديك.” لم يتغير الواقع في تلك الليلة، لكن القلب تغيّر. وبعد أسابيع، جاءه الفرج من طريق لم يكن يراه. لم تكن العظمة في الحدث، بل في الطمأنينة التي سبقته.

الله لا يعطيك وأنت متشنّج، لأنه أرحم بك من أن يمنحك ما قد يكسر توازنك. وإذا أخّر، فلأنه يعلم. وإذا أعطى، فلأنه رأى قلباً صالحاً للعطاء. وكلما عظّمته حق التعظيم، صغرت المخاوف حتى تلاشت.

الاطمئنان ليس إنكاراً للواقع، بل قراءة أعمق له. أن ترى خلف الأسباب رباً، وخلف الأبواب إلهاً، وخلف التأخير حكمة. أن تعيش اجتماعياً بوعي، وفلسفياً بعمق، وسينمائياً بجمال المشهد، وملحمياً بثبات من يعرف أن الخاتمة بيد الله.

في النهاية، لا أطلب منك أن تطارد البشرى، فهي لا تُصاد. أطلب منك فقط أن تهدأ مع الله. فإذا هدأ القلب، جاءت البشائر وحدها… واقفة، كاملة، كما تليق بكرم الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى