جلعود… حين يتقدّم الإيثار

بقلم / د. سعيد بن عبدالله بن علي جفشر
في زمنٍ تتسابق فيه الأسماء نحو الصدارة، وتُطلب فيه مواقع التقدّم، يبرز بين الحين والآخر موقفٌ يعيد ترتيب المعايير، ويضع القيم في موضعها الصحيح. هكذا كان المشهد في حفل الشيخ سعيد بن شايع آل خريم وقبيلة آل خريم وآل صبيح، حين اختار الأستاذ جلعود بن دخيل أن يقدّم غيره على نفسه، في صورةٍ نادرةٍ من صور الإيثار المعنوي.
لم يكن ذلك التقديم مجاملة عابرة، ولا تصرّفًا بروتوكوليًا، بل كان موقفًا واعيًا، حين آثر أن يقدّم أخاه الذي يكتب هذه الكلمات، مقرًّا بفضله، رغم أنه أهلٌ للمقام وجديرٌ بالتصدّر. وهي لحظة تختصر الكثير من المعاني التي تفتقدها بعض المجالس، حيث يُقاس الحضور أحيانًا بالموقع لا بالقيمة، وبالسبق لا بالاستحقاق.
هذا المشهد لم يكن معزولًا عن سيرة صاحبه، فالأستاذ جلعود يُعرف بجهوده في إصلاح ذات البين، وسعيه في جمع الكلمة، وتعاطيه الواعي مع عددٍ من الظواهر السلبية في المجتمع، وهو جهدٌ تراكمي يعبّر عن فهمٍ عميق لدور الفرد في محيطه، ومسؤولية الكلمة والموقف. ومن هنا جاء ذلك التصرف امتدادًا طبيعيًا لمسيرةٍ قائمة على التواضع، وتقديم المصلحة العامة، وتقدير الآخرين.
ولعلّ أجمل ما في هذا الموقف أنه يُعيد إلى الأذهان ما قرّره السلف في معاني العلم والأدب، حيث قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
“يا طالب العلم، إن العلم ذو فضائل كثيرة، فرأسُه التواضع…”
فجعل التواضع رأس الفضائل، وأساس القبول، وعنوان الرفعة.
كما أشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى هذا المعنى بقوله:
“تعلَّموا العلم، وتعلَّموا للعلم السكينة والحلم، وتواضعوا…”
في تأكيدٍ واضح أن العلم لا يثمر إلا إذا اقترن بالأدب، ولا يثبت إلا إذا تجرد من الكِبر.
ويأتي قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ليضع ميزانًا دقيقًا للعالم والمتعلم:
“لا يكون الرجل عالمًا حتى لا يحسد من فوقه، ولا يحقر من دونه”،
وهو ميزانٌ يعكس توازن النفس، وعدالة النظرة إلى الآخرين.
إن ما قدّمه الأستاذ جلعود في تلك اللحظة لم يكن مجرد موقف عابر، بل رسالة عملية تؤكد أن الإيثار لا يقتصر على المال، بل يتجلّى في تقديم الآخرين في مواضع الشرف، وفي الاعتراف بفضلهم دون تردد. وهي قيمة لو سادت، لاختصرت كثيرًا من مظاهر التنافس غير الصحي، ورسّخت ثقافة الاحترام المتبادل.
في مثل هذه المواقف تُقاس القامات، لا بما تتقدّم إليه، بل بما تُقدّم له غيرك. وهنا تتجلّى الفروق الحقيقية بين من يسعى إلى الظهور، ومن يصنع الأثر.


