من التاريخ الاجتماعي (.الجذور التي صنعت الشغف)

بقلم / د. سعيد بن عبدالله بن علي جفشر
كنت في الصف الثالث الابتدائي، وكان معلمنا هو الأستاذ عبد العظيم – رحمه الله رحمة واسعة –، رجلًا مهيب الطلعة، يمتلك جمالًا عجيبًا في الخط.
كنت آنذاك أعاني إشكالية في الإملاء، وكان خطي دون المأمول، رغم أن والدي – رحمه الله – كان جميل الخط، متقن الإملاء، بليغ التعبير. وكان ذلك يضايقه، لا غضبًامني، بل حرصًا عليّ. فسأل معلمنا: كيف أطور من وضع ابني؟ أنا أجري له تدريبات إملائية في البيت، فما السبيل إلى التحسن؟
فقال – رحمه الله –: اجعله يكثر من القراءة، وسيتعدل وضعه إلى الأفضل.
بعد هذه النصيحة بدأ والدي – رحمه الله – في إثراء حصيلتي اللغوية؛ فكان يأتيني بالصحف، ولا سيما صحيفة الشرق الأوسط، ويشتري لي مجلات موجهة للأطفال والناشئة،ثم دفع إليّ بكتب لقراءتها، منها روايات أدبية وتاريخية، كـ”المهلهل سيد ربيعة”، وكذلك “تاجر البندقية” للأديب وليم شكسبير، وكتاب تناول فيه سيرة أبي طالب بن عبد المطلب في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم أخذ يزوّدني بكتب عن تاريخ المملكة وملوكها وقصة توحيدها، وكان حريصًا أشد الحرص على توجيهي للقراءة، حتى إنه كان يعطيني أحيانًا كتبًا مخصصة لأقرأها في التاريخ الوطني. ومنذ ذلك الحين تشربت روحي حب التاريخ، وأصبحت القراءة عندي عادة يومية وشغفًا دائمًا.
كان لوالدي – رحمه الله – أثر عظيم لا يُنسى، فقد أسهم بعد الله في بناء شخصيتي الاجتماعية والعلمية والعملية. وكانت هذه الآثار امتدادًا لما ورثه عن والده الشيخ علي بن عبدالله بن جفشر – رحمه الله –، الذي كان له الفضل في تعليمه وتدينه، هو و عمي الشيخ سعيد – رحمهم الله جميعًا.
وقد كان جدي حريصًا على تعليم والدي، فأرسله مع عمي إلى أبها للتعلم، في وقت لم يكن فيه التعليم النظامي قد وصل إلى (آل حنيش وقشة بالسراة). وكان ذلك بناءً على نصيحة أحد الحجاج الذين مروا بسوق العصبة(عصبة آل حنيش) وهو سوق تاريخي قديم كانت تمر به قوافل الحج، ويقام فيه البيع والشراء، وقد أشارت إليه مخطوطة تعود لأكثر من أربعمائة عام. اطلعني عليها الباحث الأستاذ علي بن سعد ال حصوصه والتي زوده بها الأستاذ عبدالعزيز بن سليمان المتحمي من مكتبته العلمية العامرة.
وقد نصح هذا الحاج جدّي قائلًا: “إن ولدك سيكون له شأن، ولكن لا بد أن تعلمه”، فاستقرت النصيحة في قلبه، وهو الرجل المعروف بحكمته ودينه وكرمه وشجاعته، وكان ساعدًا لأخيه الأكبر الشيخ محمد بن عبدالله، المعروف بأنه مراغة و منهل للأعراف القبلية، وكان له مكانة بارزة في القضاء العرفي وإصلاح ذات البين.
وهم من تغنى فيهم الشعر ما يدل على مكانتهم ومكانة أبناء عمومتهم ما توارثته الأجيال، ومن ذلك قول جدهم يمتدح ذريته:
سد مذاري الثمان ابن الحنيش محمد
وباقي المذاري مخطي ومصيب
كما كان والدهم الشيخ عبدالله بن محمد – رحمه الله – معروفًا بكرمه، حتى لُقّب بـ(مشبع الجايع). ومما كان يردده جدي الشيخ علي من شعر يحث فيه على الإصلاح بين الناس:
هبينا في متنن ثمانين خطة
إذا قيل في الإصلاح من الغدا بها
ومن بين أعمام والدي الذين تركوا أثرًا كبيرًا في المجتمع وشخصيته عمه الشيخ عوض رحمه الله، والذي اشتهر بكرمه وبضيافته وبابه الذي لا يغلق، وأخوه الشيخ سالم رحمه الله الذي تتلمذ ودرس في زبيد باليمن وحفظ القرآن الكريم، وبعد عودته من رحلته العلمية قام بمهام جامع ال حنيش التاريخيّ، الذي كان أقدم جامع في بلاد وقشة، تُقام فيه الجمعة، فكان إمامًا وخطيبًا للجمعة، وكان الجامع مجاورًا لموقع سوق العصبة
ومن الجدير بالذكر أيضًا سيرة الجد الشيخ محمد بن علي بن شايع، المعروف بـ(راعي الطارفة)، وهي بندقية كان يقتنيها، يحمي بها الجار والمستجير، وكان يقول:
ما شريتك يا الطارفة للمعاليق
للصيد والا ورى ذم ينقينا
ومما يُذكر في حب والدي للتعلم وحرصه على تشجيع التعليم أنه في قريتهم (جزعة آل حنيش) كانت هناك مدرسة أنشأها كبار آل حنيش، وكان يُدرّس فيها معلم قادم من أحدى الدول العربية، فاتفق معه كبار الجماعه على تعليم الطلاب اللغة العربية والقرآن والحساب والجبر، فقام بتعليمهم إضافة إلى حصة للتربية الرياضية.
وكان هذا المعلم يدرّس أبناءهم، ويصرف له مبالغ مالية مقابل كل طالب يدرسه، كما كان العشاء يكون في كل بيت من بيوت الجماعة لهذا المعلم، وفي مذكرة تاريخية قيمة عن الكتاب في مسجد ال قظف وكذلك الكتاب في المدرسة عند ال حنيش، والتي بُنيت في أرض سوق العصبة، كتبها الوالد الشيخ سعيد بن عوض بن شريف، والذي عمل مساعدًا لمدير تعليم محافظة سراة عبيدة (سراة جنب التاريخية)، وذكر لي أسماء الطلاب وطريقة التدريس ومواد التدريس واهتمام الجماعة بتعليم أبناءهم بجهودهم الذاتية واهتمام الشيخ عبدالله بن مشعف رحمه الله بهم وبمواظبتهم على التعليم وتكريم من أنجز تعليمه منهم.
وكان الوالد – رحمه الله – يزور الطلاب، ويمنحهم الريالات تحفيزًا لهم على مواصلة الدراسة والاجتهاد فيها
هذا ماذكره لي الشيخ علي بن عبدالله بن مشعف – رحمه الله – وأخوه الشيخ منصور بن عبدالله بن مشعف – أطال الله عمره وشفاه – كما وُجد في خطاباته ورسائله المتبادلة مع بعض أبناء قبيلته ما يدل على سعيه لافتتاح مدرسة، ومنهم الوالد الشيخ سعد بن عبود المزراق رحمه الله
وبفضل الله ثم بجهوده ومتابعته ومطالباته المستمرة، تحقق هذا الهدف، حيث افتُتحت مدرسة بلال بن رباح في وقشة عام 1383هـ، وكان ذلك ثمرةً واضحةً لحرصه وإصراره – رحمه الله.
وكان مبنى المدرسة في البيت الذي بناه هو وأخوه عقب ما يُعرف تاريخيا بـ”ضربة أبها”.
وفي زيارة جلالة الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود رحمه الله إلى المنطقة والتي كانت
شاهدة على الحب العميق بين الملك
وأبناء شعبه، وكانت لمكارمه التي عمت الجميع دون أستثناء أثرًا عميقًا في المجتمع، وما زالت ذكرياته تتردد حتى اليوم، مقترنة بما قيل من شعر مرحبين بمليكهم:
مرحبا بالملك سعود
قائد للشعب ومكائد عداه
كان لوالدي بصمته في هذه الزيارة التاريخية الملكية الأولى إلى المنطقة وهذا ما ذكره لي رحمه الله وكلا من الشيخ محمد بن عوض بن علي ال جفشر رحمه الله، والشيخ علي بن سعيد بن درع ال خزيم أطال الله عمره،
وأكتبه هنا بقدر من الفخر والاعتزاز قيادة والدي للمسيرة الترحيبية بالملك في الحفل الذي أقيم في ساحة البحار، وحمله للعلم السعودي، وإلقائه للكلمة الترحيبية بمقدم جلالته، وما كان ذلك إلا لأنه من أميز أقرانه الطلاب في المدرسة السعودية بأبها – رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته –، فترك أثرًا خالدًا في نفوسنا ونفوس من شهدوه وخلّد ذكراه في صفحات التاريخ المحلي والوطني.



