كتاب واصل

بدعة الحلوى تلبست الطفولة 

بقلم/ علي الصافي

((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) (185) سورة البقرة

رمضان شهر كريم وعظيم ، وفيه يؤدى ركن الصيام ، واجتهاد الطاعات والعبادات ، وفي عشره الأخيرة تتعالى الدعوات بشدة وينهمر الغيث وكأنه إجابة للدعوات ، ويندمج جمال الجو بروحانية الطاعة ، كما وصفها الشاعر سلطان الحويقل :

‏” كن ارتفاع اليدين مع الدعاوات

‏مثل ارتفاع الشباري والخناجر

‏احسها تفتق بطون السماوات 

‏فتق الخشب من مناشير المناجر “

وفي الوقت الذي تتكون فيه الأجواء الخاصة برمضان وذائقتها ورونقها ، تندمج الذاكرة الشعبية بعادتها الرمضانية ، ببعض الفعاليات المجتمعية ، 

والتي تدخل بعضها في بعض بطريقة فنية تصنع البهجة والألفة ،

ولكن هناك بعض الفعاليات مالا يعلم عن أصله خصوصاً إذا كان مُحدث ومبتكر دون النظر إلى حكمه الشرعي واثره على السلوك في التمسك بالأصول وغيرها ، ومنها ما يعرف “بالقرقيعان” أو ” الفليته ” كما تسمى محلياً ، والتي تنطلق بطريقة معينة في آخر جمعة من رمضان وفي بعض الدول والمناطق في منتصف رمضان ولها أهازيج معينة ترتبط بهذا الحدث الذي

يخرجون فيه الأطفال في بعض مناطق الخليج وهم يطرقون الأبواب وينشدون الأهازيج طلباً للحلوى

غير أن هذا المشهد الذي يراه البعض موروثاً شعبياً جميلاً ، يقف عنده آخرون وقفة تأمل واستغراب بل واستهجان احياناً

فالقرقيعان – في صورته المعاصرة – لم يعد مجرد أناشيد بريئة وأكياس صغيرة من الحلوى ، بل تحوّل في بعض الأماكن إلى مظاهر صاخبة ، وإلى تقليد يتسابق فيه الناس على المبالغة في الزينة والهدايا والاحتفالات ، حتى صار أقرب إلى موسم استهلاكي منه إلى عادة عفوية

وعندما نتأمل تاريخ المجتمع السعودي ، نجد أن رمضان موسماً للسكينة ، تتعانق فيه تلاوة القرآن مع دفء المجالس العائلية. 

كان الأطفال يفرحون ببساطة الأشياء ” والطراطيع ” التي لا تكاد تكون إلا في رمضان ، والأزقة هادئة إلا من أصوات المسحراتي أو وقع خطوات المصلين في طريقهم إلى المسجد 

لم يكن الناس يبحثون عن مظاهر إضافية ليصنعوا الفرح ، لأن الفرح كان يسكنهم أصلاً

ومن هنا يأتي الاستهجان لدى بعض المثقفين والمهتمين بالموروث وبعض الذين يرون أنها بدعة لا أصل لها وأقرب ماتكون محدثة ولا يجوز الاحتفال بها استناداً لرأي الجمهور من العلماء ؛ إذ يرون أن القرقيعان ليس من العادات الأصيلة في معظم مناطق المملكة ، بل تقليد وافد من بيئات خليجية محددة ، ثم انتقل عبر الإعلام ومواقع التواصل حتى أصبح ظاهرة تتكرر كل عام

والسؤال الذي يطرحه هؤلاء ليس اعتراضاً على فرح الأطفال ، فالفرح حق لهم ، لكن السؤال أعمق من ذلك:

هل نحتاج إلى استيراد عادات جديدة كي نفرح؟

أم أن في تراثنا ما يكفينا ويغنينا؟

إن المجتمعات الحية تحافظ على هويتها كما يحافظ المسافر على بوصلته ؛ لا ترفض الجديد مطلقاً ، لكنها أيضاً لا تسمح له أن يزاحم أصالتها أو يطمس ملامحها

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في هذا المقام أن الفرح الحقيقي في رمضان لا يُصنع بالأكياس الملونة ولا بالأناشيد الصاخبة ، بل يُولد في لحظة صفاء بين العبد وربه ، وفي ضحكة طفل حول مائدة الإفطار ، وفي مجلس عائلي بسيط يلتقي فيه الأحباب

أما القرقيعان فسيظل موضوعاً بين من يراه موروثاً جميلاً ، ومن يراه تقليداً غريباً على روح المجتمع

وبين الرأيين تبقى الحقيقة الأهم: أن هوية الأمم لا تُحفظ إلا بوعي أبنائها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى