كتاب واصل

أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ …!

حين يختار الله عبدًا ليؤمّنه، يُسكن في قلبه نورًا لا تُطفئه عواصف الحياة، ويحفظه برحمته التي سبقت غضبه، ويهديه بحكمته التي لا تضل ولا تُضل."

✒️ -راضي غربي العنزي – “كاتب سعودي”

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]

ليس الأمن ضجيج تطميناتٍ بشرية، ولا لافتة تُرفع في وجه القلق، بل هو سرٌّ يكتبه الله في قلبٍ اختار التوحيد خالصًا لا يشوبه شركٌ ولا يُعكّره ظلم. الآية ليست وعدًا عابرًا، بل قانونًا إلهيًّا محكمًا؛ من صفّى إيمانه لله وحده، صفّى الله طريقه، ومن أخلص توحيده، ألبسه الله سكينةً لا تُشترى ولا تُنتزع.

حين نزلت الآية شقّت على الصحابة رضي الله عنهم، فقالوا: يا رسول الله، وأيُّنا لم يظلم نفسه؟ فبيّن لهم النبي ﷺ أن المقصود هو الشرك، وتلا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. فالأمن هنا ثمرة التوحيد، والهداية أثرُ صفاء العقيدة. وجاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «مَن قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه دخل الجنة» رواه البخاري. والخلوص ليس لفظًا يُردّد، بل يقينًا يُنقّي القلب من كل ندٍّ خفيّ.

نحن نعيش في زمنٍ يتفنّن في صناعة المخاوف، يبيع القلق في عبواتٍ أنيقة، ويُقنعك أن الطمأنينة دورة تدريبية أو وصفة سريعة. لكن الله، جلّ جلاله، لم يجعل الأمن في كثرة المال ولا في وفرة العلاقات، بل جعله في نقاء الإيمان. قليلٌ من الرياء يثقل القلب، وقليلٌ من التعلّق بغير الله يزعزع السكينة، وقليلٌ من الظلم يطفئ نور الهداية، ثم نتساءل لماذا تضيق صدورنا.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “الغنى والفقر بعد العرض على الله”، وكأن المعادلة كلها تنضغط في هذه الحكمة؛ القيمة الحقيقية ليست فيما نملك، بل في موقع قلوبنا من الله. وقال ابن تيمية رحمه الله إن في الدنيا جنةً من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وهي جنة القرب من الله ومعرفته. وحتى سينيكا الفيلسوف الروماني كان يلمّح إلى أن السعادة في انسجام الإنسان مع حقيقته العليا، ونحن نقول إن أسمى حقيقة للإنسان أن يكون عبدًا لله وحده، لا يخضع لغيره، ولا يرجو سواه.

وقعت في مدينةٍ قريبة قصةٌ حديثة لفتاةٍ فقدت عملها فجأة. في الأيام الأولى تكسّرت خططها، واضطربت حساباتها، لكن شيئًا في داخلها أعاد ترتيب الأولويات. بدأت تُصلح علاقتها بالله قبل أن تُصلح سيرتها الذاتية؛ ردّت مظالم صغيرة، وأعادت وصل رحمٍ انقطع، وأكثرت من ذكر الله بيقينٍ جديد. لم يتغير الواقع في أسبوع، لكن قلبها تغيّر. وبعد مدة يسيرة جاءها عرضٌ أفضل مما فقدت، غير أن المفاجأة لم تكن في الراتب، بل في الطمأنينة التي سبقت الراتب. أدركت أن الأمن ليس وظيفة، بل علاقة صادقة مع الله.

إن تمجيد الله وتقديسه وتنزيهه عن كل نقص هو أصل كل سكينة. الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لا يُعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء، ولا يظلم أحدًا مثقال ذرة، هو الذي وعد بالأمن والهداية. فإذا علم القلب ذلك، خجل أن يعلّق رجاءه بغيره، أو أن يخاف خوفًا يساوي خوفه من الله، أو أن يُساوم توحيده على مكسبٍ عابر. التوحيد عدلٌ مع الله قبل أن يكون عدلًا مع الناس، وتحرّرٌ من كل عبوديةٍ زائفة.

الأمن إذن ليس غياب العواصف، بل حضور الله في القلب. والهداية ليست كثرة الطرق، بل وضوح القبلة. من لبس إيمانه بظلمٍ تاه، ومن نقّاه أُلبس نورًا يمشي به في الناس. هكذا تكبر شجرة الإيمان في الداخل، تضرب جذورها في أعماق اليقين، فتتحدى غابةً كاملة من الشكوك، وتبقى واقفةً لأن أصلها ثابت بالله.

وفي الخاتمة أقولها بلهجةٍ ملحمية تليق بجلال الوعد: إن الله إذا وعد وفّى، وإذا هدى كفى، وإذا أمّن أغنى القلب عن كل حصون الأرض. فلا تبحث عن الأمان في ظلٍّ زائل، وابحث عنه عند من بيده الأمن كله. صفِّ قلبك، نقِّ إيمانك، عظّم ربك، وستجد أن الله، برحمته التي وسعت كل شيء، وبحكمته التي تضع كل أمرٍ في موضعه، يحفظك حفظًا يليق بجلاله، ويهديك هدايةً تليق بكرمه، ويمنحك أمنًا لا يزول لأن مصدره هو الله الواحد القهار.

●الهيئة العامة لتنظيم الإعلام 479438

Radi1444@hotmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى