كتاب واصل

مهلة الأيام الخمسة للقبول بالمطالب الستة

بقلم/ منصور ماجد الذيابي

رغم كل ما تبثه وسائل الإعلام في المنطقة العربية و الأمريكية و الأوروبية حول هدنة أو مهلة الخمسة أيام التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي مؤخرا بشأن وقف الحرب مع ايران، و رغم توقعات المحللين العسكريين والسياسيين والمراسلين و المراقبين للشأن الإقليمي والدولي حول ما إذا ستقبل ايران بشروط الورقة الأمريكية لإنهاء الحرب، رغم كل ما يصرح به و يعلن عنه من تفاؤل البعض بإنهاء الحرب إلا أنني لا أعتقد بقبول إيران العرض الأمريكي المتضمن تأجيل ضرب محطات الطاقة الايرانية لمدة خمسة فقط و إتاحة الفرصة للتفاوض لا سيما و أن أطراف الحرب لا زالت تتبادل اطلاق الصواريخ الباليستية, كما وأن المسيرات لا زالت تحلق في أجواء ايران و إسرائيل و أجزاء أخرى من الشرق الأوسط ما يعني أن أطراف الحرب تحاول كسب الوقت لإعادة ترتيب التكتيكات العسكرية و إيصال التعزيزات الأمريكية للمنطقة و فتح المجال ولو مؤقتا أمام ابحار السفن و عبورها لمضيق هرمز المغلق في وجه كثير من السفن التي تنقل النفط و الغاز المسال من دول الخليج الى دول أخرى في العالم.

وكنت أشرت في مقالات سابقة الى سياسة النظام الإيراني التوسعية في المنطقة و توظيف كل ميزانيتها المالية لبناء ترسانة عسكرية و تطوير برنامج نووي و منظومة صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية و عنقودية لمجاراة الولايات المتحدة الأمريكية في ترسانتها العسكرية تماما مثلما كانت سياسة الأتحاد السوفييتي خلال حقبة حرب النجوم مع الولايات المتحدة عندما خصص الاتحاد السوفيتي آنذاك كل موازنته المالية السنوية لعقود طويلة من الزمن بهدف مجاراة القوة العسكرية لحلف شمال الأطلسي على حساب مشروعات التنمية و الحالة الاقتصادية للشعب السوفيتي الذي ضاق ذرعا آنذاك بسياسة ليونيد بريجنيف و ستالين وغيرهم من الاشتراكيين الذين تفككت في عهدهم البلاد و انهارت اقتصاديا وسياسيا حتى صار المواطن السوفيتي يقف في طوابير طويلة جدا بحثا عن رغيف الخبز و قليلا من حبوب القمح و الطماطم.

ولذلك نجد أن إيران كانت ومنذ أكثر من 47 عاما تنتهج سياسة الحزب الشيوعي السوفيتي من خلال عسكرة الدولة و بناء ترسانة عسكرية هائلة و منظومة مفاعلات نووية غير سلمية و برامج صاروخية باليستية على حساب مشاريع التنمية و الإزدهار الاقتصادي والرفاه الاجتماعي و الإستقرار الأمني و السياسي في البلاد حيث تندلع المظاهرات من وقت لآخر للمطالبة بإصلاح و معالجة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة منذ زمن الخميني وحتى يومنا هذا.

ولذلك وبعد مضي عشرات السنين على تبني ايران لسياسة الحزب الشيوعي السوفيتي أمثال فلاديمير لينين و ستالين و يوري اندروبوف وغورباتشوف وغيرهم، لذلك فإنني لا اعتقد بأن النظام الإيراني سيقبل بكل مطالب الرئيس الأمريكي لإنهاء الحرب والتي تتضمن وفقا لما نقله موقع اكسيوس عن مسؤول أمريكي ومصدر مطّلع من أن مبعوثي الرئيس الأمريكي، جاويد كوشنر و ستيف ويتكوف يشاركان حاليا في المناقشات المتعلقة بإمكانية إطلاق مسار دبلوماسي تفاوضي حول اعادة فتح مضيق هرمز و إيقاف تخصيب اليورانيوم كليا و تفكيك المفاعلات في منشآت نطنز و أصفهان و فوردو و فرض بروتوكولات مراقبة خارجية صارمة على استخدام و انتاج اجهزة الطرد المركزي والمعدات المرتبطة بها اضافة الى اتفاقيات للحد من التسلح مع دول المنطقة بما يتضمن سقفا لمدى الصواريخ لا يتجاوز الف كيلو متر، ثم أخيرا وقف دعم ايران لحزب الله والحوثيين و حماس.

من خلال هذه المطالب الأمريكية فإن ايران قد تؤثر الإنتحار في ميادين المواجهة مع إسرائيل و أمريكا على أن تخسر ما أسست له و توصلت اليه و صرفت عليه و خسرت من أجله قادة و زعماء و علماء و وكلاء خلال الأعوام الأربعين الماضية ناهيك عن خسارتها لتحقيق أهدافها التوسعية عبر أذرعها في المنطقة العربية كما أشرت في مقال سابق بعنوان “هل تنتحر ايران أم تجلس على الطاولة”.

من خلال هذه المعطيات فلا أرى أمام إيران من خيارات سوى أن تنتحر سياسيا أو تنتصر على أمريكا و إسرائيل علما أن خيار الإنتصار أو تقاسم النفوذ مع اليهود في الشرق الأوسط يبدو هدفا بعيد المنال حتى لو استنجدت بالصين و روسيا و الهند و كوريا الشمالية. وبالتالي فليس أمام إيران سوى القبول بمهلة الأيام الخمسة والمطالب الستة قبل تنفيذ الولايات المتحدة الأمريكية تهديدها بضرب محطات الطاقة والدخول في ظلام دامس و فوضى عارمة في كل انحاء الجمهورية الإيرانية التي تعرّضت خلال الأسابيع الثلاثة من الحرب لدمار كبير وخسائر بشرية وضربات صاروخية مدمرة لثكنات الحرس الثوري و مواقع اطلاق الصواريخ والبنى التحتية الأخرى ما أدّى الى اضعاف قدراتها العسكرية على مواصلة الحرب بعد استنفادها لكميات كبيرة جدا من مخزونات الصواريخ والمسيرات والمعدات العسكرية الأخرى.  

كانت ايران حاولت منذ بدء الحرب ولا زالت تسعى لنشر الذعر والخوف بين المجتمعات العربية و تنتهج سياسة تهديد الأمن وزعزعة الاستقرار في دول الخليج العربي من خلال استهدافاتها المتكررة للأعيان المدنية والمجمعات السكنية أملا بأن تنزلق الدول الخليجية في مستنقع الحروب والصراعات المسلحة لكن حكمة القيادة في المملكة العربية السعودية أجهضت المخطط الإيراني تماما بالتزامها الحياد التام وعدم التدخل في الصراع الدائر مع أمريكا و إسرائيل رغم امتلاك المملكة لقدرات عسكرية هائلة ورغم ما لديها من كفاءات وطنية عسكرية تمكنها من الرد على الهجمات الإيرانية و دحرها في وقت قصير جدا كما أوضحت في مقال بعنوان ” الهجوم الإيراني غير المُبرّر على المملكة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى