كتاب واصل

(أمي أم الكرام)

الكاتب / نايف الخمري

أمي لن أسميكِ «امرأة » سأسميكِ كُلَّ شيء . (محمود درويش)

تعودت أن أكتب عن بعض الشخصيات المعروفة في المجتمع سواء كانت شخصيات اجتماعية أو ثقافية أو سياسية أو رياضية ولكنني اليوم أشعر أن قلمي لا يقوى على الكتابة وأنا أكتب عن هذه القامة الشامخة التي تضاهي النخل شموخاً ، فقد كٌنت أمارض أمي التي انحنت طريحة المستشفى جراء المرض الذي أفسد عليها لذة الحياة بعد أن امتد بها العمر وهي محاطة بالحب والاهتمام واللمسات الحانية ودفق المشاعر ودعوات الشفاء التي منحت آذانها لسماعها وإطلالات الجميع التي تشعرها بالأمان والاطمئنان والحب والألفة وكأنها لازالت في عقر دارها ولم تغادرها وهي تحاول أن تقهر المرض الذي أصابها ورغم ذلك فهي لم تفزع وتنكفيء ولم تستسلم للهزيمة. لكنها قاومت وصمدت بعزيمة وإرادة وظلت صلبة قوية تلتحف الصبر والهدوء بابتسامتها الدائمة وإيمانها الراسخ القوي ولسانها يلهج بالدعاء بذكر الفرد الواحد الصمد، فتقبلت مرضها بالإيمان والإرادة والرضا والقبول والتوكل على الله وهي صبورة كعادتها لا تشتكي ولم تجأر بالشكوى والأنين، بل قابلت ذلك بصبر المؤمنين النبيل وثبات الموقنين القوي وهي تقف بكل هدوئها الذي جٌبلت عليه وإيمانها القوي الذي تدثرت به خلال حياتها. وكان حالها يشبه حال تلك المرأة الصالحة حين عثرت وانقطع ظفرها فضحكت فقيل لها أما تجدين الوجع فقالت: إن لذة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه وأنا مثلها أعد جوائز فضل الله تعالى علي في هذا المرض أو في هذه الأمراض ولذلك لا أبالي بكثرتها لأن لكل مرض ثوابه ولكل ألم جزاؤه. وقد روي أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بها لمم فقالت (يا رسول الله أدع الله أن يشفيني) قال: إن شئت دعوت الله أن يشفيك وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك قالت (بل أصبر ولا حساب علي).

كانت حريصة أشد الحرص على أداء الصلوات في وقتها المعلوم رغم المرض الذي سعى لأن يجعلها شاحبه وغير قادرة على الوقوف وهي تقابل معاناة الألم والمرض بالصبر والصلابة وعلى الرغم من معاناتها مع المرض والآلام التي تعتري النفوس لكنها تبدو مليئة بالحيوية والتفاؤل وتقول لقد أكرمني الله بالمرض والمرض رحمة وتطهير للمؤمن وهي تنظر إلى الحياة التي يعيشها الناس حالياً وتشكر الله وتحمده كثيراً وهي تقول إن الحياة الآن ياولدي هي حياة كريمة وأكثر راحة وسهولة مما كانت عليه حياتنا في الماضي في ظل الرفاهية ورغد العيش والرعاية والعناية الفائقة التي لم تكن متوافرة في الزمن السابق. والتي تنعم بها ممن هم حولها. وترى الحياة حـولها برؤيا مشرقة.

لذا أشعر أنني أكثر خجلاً وأنا أقف أمام هذه النخلة السامقة التي انحنت وهي ترفض الانكسار وهي التي كانت دائماً تقف مزهوة بشموخها وهيبتها تظلنا ظلالها وننعم من فيض عطائها وكرمها ودعواتها الصادقة. وكلماتي اليوم تتقزم ولا تطول قامتها العاتية ومقامها الفارع. طيبة القلب رقيقة الحواشي ،كريمة الخصال، سليمة الطوية والقلب الحنون والصدر الدافئ والأمومة الدافئة التي دائماً تفتخر بأبنائها النجباء إنها ـ الحضن الرؤوم ـ التي أرضعتنا كأس الحب والعطف والحنان وسقتنا معاني الرضا وقيم الفضيلة وكل مكارم الأخلاق الطاغية وعلمتنا معنى الكرم والبذل والسخاء ورعتنا كل الرعاية بعطفها وحنانها وربتنا تربية صافية خالية من الأحقاد والأضغان ونجحت في ذلك وكانت القدوة الحسنة حيث عوضتنا عن فقد والدنا وحلت محله وتحمّلت الكثير من المصاعب والمتاعب والمواقف الصعبة بالتضحية والشجاعة والإيثار ونكران الذات وسلكت طريقها بكل ثبات وقوة جأش وتحملت المسئولية كاملة بكل أمانة ورجاحة عقل وتميزت بالحِلم والحكمة ، كانت صلبة قوية لما تتمتع به من شخصية وكاريزما مؤثرة تتقدم ولا تتأخر بالرغم من بعض المنعطفات التي مرت بها في حياتها. حاملة هموم الجميع. كانت دائماً تقابل رياح المحن التي تعصف بها بصبر وثبات ولا تشفق على نفسها أبداً فعوَّضها الله وأعطاها خيراً ورزقاً أكثر مما سألته فكانت ولازالت تحثنا دائماً على طاعة الله والتواصل مع الأهل والأرحام والجيران، لا يوجد في قاموسها مفهوم العداء والكراهية والقطيعة لأي أحد لأنها مجبولة على نقاء الدواخل مفطورة على بياض السريرة والعاطفة مترعة بمحبة الآخرين ولذلك هي تسعى لكي تمد حبال الوصل للجميع، حتى وصلت إلى مرحلة من الرضى والعطاء والتسامح وهذه بعض من شمائلها الحميدة وسجاياها الكريمة وخصالها الجميلة. دارها قبلة لجميع الأهل والأحباب مفتوحة كقلبها للجميع تقابلهم بوجه طلق المحيا بشوش وقد امتدت يدها الحانية بالبذل والعطاء السخي والكرم ليشمل الجميع ويطوق أعناق الأحفاد وفاءت على الجميع بظلالها الوارفة الظليلة حتى فاضت يدها بالحنان والعطاء الجزيل فقد سكنت شغاف القلوب خلاصة الحب ونموذج النٌبل والكرامة. والكل لا يملكون إلا أن يحبونها ويدعون لها بحٌسن الخاتمة ورد الجميل الذي تستحقه، فاللهم أحسن عاقبتها في الأمور كلها، وأجرها من خزي الدنيا وعذاب الآخرة وأصلح لها عملها وأغفر لها ذنبها واشفها وأحفظها من كل سوء ومكروه. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد بشر المبتلين بأنهم سيكونون موضع غبطة الخلق يوم القيامة عندما يعاينون ما أعد الله لهم من جزءا ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ـ يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ

تلويح : ـ
شكرا لكل من اتصل وأرسل وسأل ليطمئن على صحة أمي، فشكراً لهم أكثر مما يستحقون منا الشكر.

نايف الخمري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى