كتاب واصل

( إلى أبي في قبره )

بقلم/ نايف الخمري

ماكنت أحسب قبل دفنك في الثرى *** أن الكواكب في التراب تغور . (المتنبي)

في صباح يوم العيد وبعد أداء صلاة العيد وتعظيم شعائر الله التي هي من تقوى القلوب اتجهت نحو قبر أبي لكي أزوره، أنزل الله عليه شآبيب رحمته وضياءه وغفرانه. وعندما دخلت إلى المقبرة قدمت أخلص الدعاء للموتى ولكنني شعرت بمرارة الأحزان والخوف يتملكني. وتعثرت خطاي واختلطت المشاعر والعواطف كان صمت القبور يلف المكان كما صمت النوارس وأغلب القبور تساوت مع الأرض واختفت بعض معالمها نتيجة مياه الأمطار وبعض الأشجار التي تحتوي على الأشواك والتي تنمو بالقرب منها وغيرت ملامح القبور عدا البعض منها متناثرة هنا وهناك وكأن المكان لا يوحي بأنه مقبرة لولا السور المحاط بها ولعدم وجود شواهد لبعض القبور وقد استباحت الكلاب مساكن الموتى تدنس كرامتهم لعدم إغلاق أبواب المقبرة بإحكام فغالبية المقابر قد تكون مهملة كثيراً دخلت المقبرة وجلست على حافة القبر وانحنيت بالقرب من شاهد قبر أبي حافي القدمين حاسر الرأس وفاضت عيناي بالدمع المدرار رافعاً أكف الضراعة أبتهل إلى الله عز وجل أن يجعل منزلته في أعلى عليين مع الصديقين والشهداء والنبيين وحسن أولئك رفيقاً ولجميع موتى المسلمين وساكني هذه الديار وتذكرت جدي وجدتي الذين رحلوا عنا بأجسادهم ولكن ذكرياتهم وتفاصيل حياتهم محفورة في الذاكرة تعيش في دواخلنا. تلامس شغاف قلوبنا تذكرت تلك الضحكات البريئة والقلوب المطمئنة الصافية التي كانت لا تحمل الهم والغم ولاتعرف الكراهية والحقد، ولاتعرف إلا التسامح والود، فقد تركوا لنا صورهم وذكرياتهم الجميلة تراودنا من حين لآخر وتمزق قلوبنا بفراقهم، رحلوا عنا بأجسادهم وأرواحهم الغالية وماضيهم العطر وبقيت تفاصيل حياتهم صور صامته تطاردنا في كل مكان. اللهم أغفر لهم وأرحمهم وتقبلهم قبولاً حسناً يا كريم.

اللهم أجعل نسائم جناتك تهب عليهم من كل جانب. مسحتُ أدمعي بكفي وتذكرت أبي وضحكاته المجلجلة التي كانت تملأ أرجاء البيت وترآى لي خيال أبي وصدى صوته الهامس لقد غرتك الدنيا ياولدي لا تركن الى زخرفها وصخبها ويتملكك الغرور وصلف الحياة ولا تتباهى بما وصلت إليه وأنت فيه وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور أخشى أن تهلكك الدنيا كما أهلكت من قبلك، حذاري ياولدي من زينة الحياة الفانية.

فتفجرت في داخلي غلالة من الدمع الهتون شكلت لي هاله من الحزن العميق وقلت سامحني ياأبي سرقتني الحياة منك وشغلتني عنك لكن الزمن قد تغير، رحل أبي بعد أن ترك ثلمه لا يمكن سدها فقد كان يحثنا على طاعة الله ويوصيني بأشقائي خيراً وهو يقول هؤلاء هم رصيدك.

كان مصدر إلهامي ـ رحمه الله ـ كان بسيطاً متواضعاً مع الصغير والكبير ربانا على الاحترام والمُثل العليا وزرع فينا تلك القيم الجميلة الفضيلة والصدق والأمانة وحب الخير والوفاء ترك لنا سيرة إنسانية عطرة نعتز ونفتخر بها سيرة تفيض بالمحاسن والمآثر. كان هاشاً باشاً كريم الشمائل والصفات نقي السريرة عف اللسان قلبه كبير يحمل الحب والود للجميع يشاركهم الأفراح والأتراح كانت حياته حافلة بالبذل والتضحية من أجل أسرته. كان صابراً حتى في حالة مرضه وظل يصارع المرض بكل بسالة وشجاعة متحملاً الألم متحلياً بالصبر مؤمناً بحكمة القضاء بكل رضا فلم يعترض قط. كان رؤوفاً رحيماً بأبنائه أحسن تربيتهم على الصلاح حتى كبروا.

لقد فقدت أباً رحيماً وشفوقاً ترك لنا سيرة لاتمحى مطبوعة في ذاكرة كل منا. لم يقسو علينا في يوم من الأيام وكان يترك لنا حرية التصرف والاختيار. كان متسامحاً بطبعه ـ رحم الله ـ أبي والرحمة لرفاق دربه وأصدقاؤه الأوفياء الذين أحبوه وأحبهم لم يكن ذو جاه أو سلطان أو مال ولكنه كان كريماً مع الجميع مرفوع الهامة لم يحني رأسه يوماً من الأيام كان بيته المتواضع الرحب قبلة للأهل والجيران وملجأً للعوام والضيوف وعابري السبيل يفيض بالكرم والجود ـ سيما ـ وأنه كان يقع على قارعة الطريق وكانت والدتنا متعها الله بالصحة والعافية وأطال الله بقائها تقوم بواجبها على خدمة ضيوفه وتوفر لهم سُبل الراحة مما جعل بيته العامر بذكره مشهوراً بالكرم الفياض باب بيته كان باب افتراضي إذ أنه مفتوح للمارة وبيت ( الخمارية ) كان معروفاً بالعزة والشموخ والكرم والشهامة ومحاسن الأخلاق بالرغم من ضيق الحال في ذلك الزمن وقلة الحيلة ولكنه كان يواجه كل ذلك بالعمل المُضني في سبيل أسرته ويتقاسم لقمة العيش مع جيرانه كان يتختزن في ذاكرته الكثير من الأحداث والقصائد والقصص والروايات والسرديات التي تستحق الرصد والتوثيق وكانت ذاكرته قوية على الرغم من سنوات عمره التي جاوزت الثمانين ـ سيما ـ وأنه شارك في حرب اليمن بجانب شقيقه الكبير مع المغفور له بإذن الله الملك فيصل بن عبد العزيز في تلك الفترة عندما كان نائباً للمؤسس في الحجاز . وقتذاك كان شاباً يافعاً خدم متطوعاً في القوات السعودية. كنت وأنا صغيراُ استمع لهم بشغف مع صديقه ورفيق دربهم (عبد الرحيم بن سويد) طيب الله ثراه والذي كان أيضاً موسوعة في تاريخ القبيلة ويملك ذاكرة قوية مليئة بالروايات والأحداث الصغيرة والكبيرة حافظاً تفاصيلها فقد شكلوا ثنائياً جميلاً بما تختزنه ذوا كرهم أحداثاً وشخوصاً لحقبه زمنية هامة كان حديثهم لا يخلوا من المتعة وبعض الأسقاطات المفاجأة بعض وحاولت أن أستكتب تاريخهم بشكل دقيق لكي يتم سرد بعض الوقائع التي كانت تستحق التأمل والنقد والدراسة وتحسرت وشعرت بالندم على مالم يُكتب ولكن بعد فوات الأوان؟ لأنني لم أستطيع توثيق ذلك التاريخ. حياته كانت كلمع البرق الخاطف. علماً أنه لم يكن متعلماً ولم يكن موظفاً حكومياً كان أمياً لكنه كان ذو شخصية وهبها الله حكمة البسطاء التعبيرية الغنية بقيم إنسان القرية البسيط الطيب المليء بالوفاء والنقاء. سبر أغوار الحياة وعركته تجاربها عمل في بداية حياته حمالاً في مدينة جدة ومكة عند أحد الأسر الغنية في فترة من الزمن حيث بدأ رحلة الكفاح بعزيمة الصبر على عُسر الأيام مارس الزراعة وكان طباخاً ماهراً وقهوجياً له طقوسه الخاصة في عمل القهوة والشاي وقد أحترف صناعة الطبول بمختلف أشكالها وأنواعها وأحجامها والتي تعتبر أهم أساسيات الفنون الشعبية في جميع الاحتفالات وكان يجيد صناعة سروج المطايا من عمل يديه بشكل إبداعي ولم يكن يشعر في يوم من الأيام بخجل من تلك المهن التي كان يمتهنها في ذلك الزمن ، كان كادحاُ بسيطاً حقيقياً يسعى لاكتساب رزقه بالحلال من أجل قوت أسرته لكي يحفظ لهم رمق الحياة من خلال هذه الأعمال البسيطة الشريفة لأجل العيش الشريف بالرغم أن بعض أصحاب الصدور الضيقة المتطاولون الذين سقطوا في حفرة الجهل غير مأسوف عليهم كانوا ينظرون له بإزداء وعنصرية كانوا يجاهرون بها قولاً وفعلاً ولكنه لم يكن يلتفت لهم وعاش منتصراً عليهم بتواضعه وابتسامته وأخلاقه وهم من بغاث الطير وقد قال الشاعر :
(بُغاثُ الطير أكثرٌها فرِاخاً ……. وأم الباز مِقُلات نَزُورُ) .

هذا الإنسان البسيط المرفوع على هامات السحاب وعالي الغيمات وقِمَم الجبال وأشجار النخل والعرعر وعلى أكتاف الركايب والمساقي ورائحة الحنطة والشعير. هذا الكادح المعجون بالكرامة والشرف والكبرياء وشموخ الثقة بالنفس والعزة ، بكل فخر لا يعلوه فخر هذا هو أبي وبكل اعتزاز أزهو بأبي ، كان خصب الجناب شامخ الكبرياء وفيّاً تجاه مجتمعه ناكراً للذات من خلال تجربته العريضة في العمل التطوعي عندما كان حارساً أميناً بكل فخر وشموخ لعقود طويلة من الزمن على غابة رغدان ذات الأشجار الوارفة الظلال التي كانت تحجب شمس السماء عندما كانت بكراً حيث كانت محمية هادئة تحفها الجبال لا يستطيع أحد الاقتراب منها ولا يجرؤ أحد الاحتطاب فيها أو يقتطع منها عندما كانت تأتي إليها الطيور المهاجرة من كل صوب قبل أن يلوثها ضجيج السيارات من كل جانب والتي كانت تدور حولها بعض الأساطير الخرافية.

كان حارساً شجاعاً يذود عن مجد الآباء والأجداد التليد الشاهد على التاريخ حافظاً تاريخ تلك الغابة الصامدة التي تمكن الآباء والأجداد من المحافظة عليها عقود طويلة من الزمن والتي كانت تشكل جزءاً من تاريخ قرية رغدان وقد اكتسبت شهرة كبيرة وأهمية كبيرة في السنوات الأخيرة لكونها موقع سياحي هام وتقام فيها العديد من الاحتفالات الرسمية والاجتماعية والترفيهية في العهد الحديث كونها أصبحت وجهة سياحة رئيسة للمنطقة بعد أن تم تحويلها إلى منتزه. زارها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز مرتين الأولى عندما كان وليا للعهد وزارها الرئيس المصري الراحل حسني مبارك وعدد من أصحاب السمو الملكي الأمراء وأصحاب المعالي الوزراء وكبار رجال الدولة والسفراء والقناصل .شجاعاً قوياً لا يهاب أحداً يتسم بالنخوة والشهامة بالرغم من نحالة جسده كانت مسيرته حافلة بالتضحية والعطاء والوفاء والإخلاص كان سعيداً بخدمة مجتمعه. قبل مرضه ورحيله شرّفه صاحب السمو الملكي الأمير ممدوح بن عبد العزيز آل سعود بزيارته في منزله المتواضع في قرية رغدان تكريماً له ومحبة خالصة بادله وفاء بوفاء وحباً بحب في صورة زاهية من صور تواضع الأمراء وأبناء الملوك. عزائي أنه لازال حياً في قلوبنا حاضراً معنا بمشاعره وستبقى ذكراه الطيبة عالقة في القلوب. رحم الله أبي الزاهد الوقور الرحيم النقي الصادق الأمين المضيء الوضيء. اللهم أرحم أبي وأغفر له وتغمده بواسع رحمتك وأنزله منازل الأبرار في فردوسك الأعلى وأبعثه في زمرة من تحب من النبيين والشهداء والصديقين وأجمعنا به في الرفيق الأعلى .
للتواصل /[email protected]

شاركنا الخبر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى