كتاب واصل

في ثقافة التسامح

نايف الخمري / كاتب صحفي

إن الناس لايولدون لكي يكرهوا، كما أن عدم التسامح يتم تعلمه وبالتالي فمن الممكن منعه وعدم اكتسابه. (أنطونيو غوتيريش) .

تمر علينا هذه الأيام ذكرى الاحتفال باليوم العالمي للتسامح والتي تأتي في اليوم الـ16 من شهر نوفمبر كل عام أو ما يُعرف بـ اليوم الدولي للتسامح، ويُعرَّف التسامح في قاموس أكسفورد الإنجليزي بأنه: العمل أو الممارسة المُتمثلة بتحمُل الألم أوالمشقة. ويُعرَّف أيضاً بأنه: القوّة أو المقدرة على التحمل. وتُعرف منظمة اليونسكو. الجمعية العامة للأمم المتحدة تعريف التسامح كالتالي على أنه (الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا). وفي أذهاننا مقولة الفيلسوف الفرنسي فولتير (ما هو التسامح؟ إنه من اختصاص الإنسانية. كلنا مليئون بالضعف والأخطاء. دعونا نعفُ بشكل متبادل عن حماقاتنا -إنه القانون الأول للطبيعة). وديننا الإسلامي يدعو الى السماحة والتسامح والتعايش والتآلف ونبذ التعصب والكراهية وهذه الثقافة والصفات الإنسانية نعمل بها من مبدأ ديني وتدين عظيم كسباً وطلباً للأجر العظيم كوننا مسلمين نتحلى بها، وهنا نستحضر أبعاد شخصية المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم قدوتنا في التسامح والمثل الأعلى الذي يرنو إليه الكثيرون في التسامح. فهو شخصية السلام والتسامح العالمية ونتناول أبعاد شخصيته صلى الله عليه وسلم في التسامح. ففي يوم فتح مكة حينما حاصروه في شعب أبي طالب وتأمروا عليه بالقتل وعذبوا أصحابه وضيقوا عليهم الخناق ومع ذلك لم يفكر عليه الصلاة والسلام في الانتقام أو الثأر منهم أو حتى رد الإساءة لهم وقابل ذلك بالعفو والصفح عنهم وقال يامعشر قريش ما ترون إني فاعل بكم ؟ قالوا ، خيراً أخ كريم وابن أخ كريم ، فقال صلى الله عليه وسلم لهم فإني أقول لكم ما قال يوسُف لإخوته لا تثريب عليكم اليوم (اذهبوا فأنتم الطلقاء).فهو مهما تعرّض للأذى من المشركين دائماً يُحسِن معاملتهم ويرفق في دعوتهم (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (فبما رحمة من ربك لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فأعفو عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر) إنها إنسانيته صلى الله عليه وسلم في أسمى معانيها والعفو والتسامح، ولا يمكن لشخص أن يجمع هذه الصفات إلا إذا تمتع بالخلق العظيم (وانك على خلق عظيم) وديننا الإسلامي دين سماحة وتسامح وتعايش وتألف ونحن المسلمين أولى الناس بهذا المبدأ العظيم تحلياً به وإشادةً به ودعوة إليه لأننا نفعله من مبدأ التدين وطلباً لعظيم الأجر. إنها روح التسامح من أجل ترسيخ قيم التعايش والتأخي والتسامح مع الآخرين ، ومن هنا يعرف الدكتور فريد لوسكين مؤسس مشروع التسامح بجامعة ستانفورد ومؤلف كتاب (التسامح من أجل الخير)، التسامح بأنه التخلي عن المشاعر السلبية والرغبة في الانتقام بعد التعرض للأذى مشيراً إلى أنه عندما يسامح الإنسان غيره فإنه يتخلى عن المرارة الموجودة بداخله ويتوقف عن الشعور بالشفقة على نفسه بسبب تجربة ما حدثت له في الماضي ويقول لوسكين: يجب أن تسامح من أجل مصلحتك الشخصية، فعندما تتذكر جرحًا كبيراً وتضعه في قلبك وعقلك دائماً فإن هذا التذكر يثير مواد كيميائية بالمخ ينتج عنها الشعور بالتوتر، وبتكرار التذكر ستضغط على جسمك، مما سيصيبك بالأمراض لاحقاً.

تسامح الرسول مع جاره اليهودي:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاوره جار يهودي وكان اليهودي يحاول أن يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن لا يستطيع خوفًا من بطش أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فما كان أمامه إلا الليل والناس جميعاً نيام حيث كان يأخذ الشوك والقاذورات ويرمي بها عند بيت النبي صلى الله عليه وسلم ولما يستيقظ رسولنا الكريم فيجد هذه القاذورات كان يضحك صلى الله عليه وسلم ويعرف أن الفاعل جاره اليهودي فكان نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم يزيح القاذورات عن منزله ويعامله برحمة ورفق ولا يقابل إساءته بالإساءة ولم يتوقَّف اليهودي عن عادته حتى جاءته حمى خبيثة فظلَّ ملازمًا الفراش يعتصر ألمًا من الحمى حتى كادت توشك بخلاصه وبينما كان اليهودي بداره سمع صوت الرسول صلى الله عليه وسلم يضرب الباب يستأذن في الدخول فأذِن له اليهودي فدخل صلوات الله عليه وسلم على جاره اليهودي وتمنّى له الشفاء فسأل اليهودي الرسول صلى الله عليه وسلم وما أدراك يا محمد أني مريض فضحك الرسول “صلى الله عليه وسلم وقال له: عادتك التي انقطعت (يقصد نبينا الكريم القاذورات التي يرميها اليهودي أمام بابه) فبكى اليهودي بكاءً حارًا من طيب أخلاق الرسول وتسامحه، وحسن معاملته، وشعر اليهودي بالخجل من أفعاله، ومن ثم نطق الشهادتين، ودخل في الإسلام.

العفو مع الإعرابي:
عن أنس بن مالك قال (كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني (عباءة) غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه جبذة ـ (أي جذبه جذبة قوية) حتى رأيت صفح عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثَّرت بها حاشية البرد من شدة جذبته (تركت الجذبة علامة على عنق الرسول) فقال يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء. وهذه نموذج من تعاليم الإسلام على حسن المعاملة، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هو القدوة في تعامله مع الآخرين بالرغم من تعرّضه للأذى من المشركين ولكنه كان دائماً يُحسِن معاملتهم ويرفق في دعوتهم، وفي إحدى غزوات الرسول نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلَّق بها سيفه.فجاء رجل من المشركين، وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلَّق بالشجرة فأخذه، فقال الأعرابي: تخافني؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، فقال الأعرابي: فمَن يمنعك مني؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله، فسقط السيف من يد الأعرابي، فأخذ رسول الله “صلى الله عليه وسلم السيف فقال للأعرابي: مَن يمنعك مني؟ فقال الأعرابي: لا أحد كن خير آخذ، فقال صلى الله عليه وسلم تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: لا ولكني أُعاهدك ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيله فأتى أصحابه فقال: جئتكم من عند خير الناس، وكان تقديراً وفياً من ذلك الإعرابي نتيجة التسامح معه والعفو عنه وكان يقول صلى الله عليه وسلم: أوصيكم بأهل الذمة خيراً فها هو يقوم لجنازة يهودى فيقال له: يا رسول الله إنه يهودي فيقول: أو ليست نفسا بشرية. وقد جاء ملتقى حوارات المملكة الرابع الذي أقيم بالتزامن مع اليوم العالمي للتسامح الذي نظمه مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني جاء لنشر ثقافة التسامح وترسيخ قيم الدين الإسلامي في التعايش والتحاور والتسامح لبناء جيل واعي حضاري يساهم في تعزيز جهود المملكة في نشر ثقافة التسامح والتعايش والحوار والتآخي،

أخر المشوار:
يقول كونفوشيوس: إذا كنت باحثاً عن تحقيق ذاتك، عليك أن تبحث عن تحقيق ذات الآخرين.

شاركنا الخبر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى