مساحة حرة

(وداعا سالم شهوان رمز البشاشة والمرؤة)

فجع الوسط الرياضي في منطقة الباحة برحيل علمٍ من أعلامها الرياضيين، وبرحيله انطوت صفحة من تاريخ الرياضة من الذاكرة وفي هذه الفجيعة استحضر قول الشاعر جرير: ـ
(فلو كان الخلود بفضل قوم …على قوم لكان لنا الخُلود) رحل شيخ الرياضيين الأستاذ سالم شهوان مؤسس نادي العين (زهران سابقاً) بعيداً عنا بكل بهدوء ، عندما علمت بمرضه المفاجئ قبل رحيله المُفجع بيوم هاتفت ابنه أحمد لكي أطمئن عن صحته فردَّ عليَّ بصوت حزين غير العادة وقال لي إن والده طريح السرير الأبيض يصارع المرض ولايحتاج غير الدعاء الصادق ، ودار بينا حديث سريع ، وقلت له إن شاء الله سنراه قريباً بين أهله ومحبيه وسنجتمع قريباً بإذن الله معه وكنت أمني النفس وأمنيه بذلك ودعته على أمل أن يعاود الاتصال بي قريباً لكي يطمئنني عن حالة والده ، كنت لا أعلم أن هذا الحديث عن حالة والده سوف يكون هو الأخير بيننا وفي ظهر اليوم الثاني الأحد الثالث من ذي القعدة تلقيت خبر وفاته من أحد الأصدقاء وقال لي سالم شهوان أسلم روحه إلى بارئها إنا لله وأنا إليه راجعون ، حاولت أن أستجمع قواي لكي أستعيد كامل وعيي بين مُصدق ومُكذب بعد هذا الخبر الذي هزني من الأعماق وجعل جميع فرائصي ترتعد حتى فاض الحزن في داخلي .ولكنها إرادة الله وطريق الأولين والآخرين ، في آخر لقاء بيننا كان في حفل شهدتهُ له بفندق رمادا بجدة تجاذبت معه أطراف الحديث واستأنست بالحديث معه وعانقته بعد الحفل وودعته على وعد مني أن أزوره في مزرعته الخاصة (بناوان) وكان يلاطفني ببشاشة ويقول قد تجشمت متاعب السفر وأنه سعيد بحضوري حفل تكريمه، رحل عنا وترك حزناً عميقاً، فقد كان مثقفاً لدرجة كبيرة وكان أستاذاً وأخاً وزميلاً وصديقاً لي تعلمت منه الكثير. كان أستاذنا في كل شيء. كرس حياته بأكملها للرياضة والفن والثقافة فكم هو مؤلم رحيله، تحمّل كثيراً من المواقف الصعبة في سبيل نادي زهران (العين حالياً) عند تأسيسه كان له قدره هائلة على التماسك والصمود وتحمّل المسئولية بكل قوة. ونجح نجاحاً منقطع النظير، فكسب محبة الجميع لما يتمتع به من سمو الأخلاق وكاريزما قوية كان ـ رحمة الله ـ عليه حريصاً على إظهار حبه) للعين) كان مُحباً متفانياً لنادي العين الذي وضع ركائزه، ينتمي أستاذنا الراحل إلى جيل العمالقة من الرياضيين والمثقفين الذين وضعوا لبانات راسخة للرياضة في منطقة الباحة وللثقافة والفنون. الراحل من مواليد الأطاوله ترعرع فيها وبدأ مرحلة الدراسة الابتدائية بنهاية السبعينات ، من زملاءه في الدراسة الأستاذ علي سدران والأستاذ محمد الدرعان ـ رحمه الله ـ بعد أن أكمل المرحلة الابتدائية انتقل مع خاله إلى المدينة المنورة أكمل دراسته المتوسطة ثم ألتحق بمعهد المعلمين الثانوي بها بعدها أنتقل الى مدينة جدة (حيث البحر والفن) وكانت هذه نقطة التحول في حياته وتخرج من معهد المعلمين الابتدائي ، بعد ذلك عاد الى مسقط رأسه وعمل معلماً بمدرسة المكاتيم الابتدائية وبدأ بتحضير الخطابات والمراسلات لمقام الإمارة ومكتب رعاية الشباب في الطائف بشأن تأسيس نادي زهران ومنها كانت البداية ، كان الراحل من أوائل من أدخل الموسيقا بمدارس الباحة وقام بتلحين بعض الأناشيد للتلفزيون لأطفال الباحة ومن أوائل من حقق المركز الأول في الإخراج المسرحي على مستوى المملكة ، حقق المركز الأول داخلياً وخارجياً عندما قام بإخراج وتنفيذ فكرة رقصة الحصاد التي مثلت المملكة في مهرجان دمشق ، وكان أول من ترأس وفد المنطقة للفنون الشعبية بمهرجان الجنادرية في بداياته ومن أوائل من أدخل الآلات الموسيقية بمدارس جدة عمل مذيعاً متعاوناً بإذاعة وتلفزيون جدة في بداية حياته وكان له كتابات في جريدة الندوة وجريدة البلاد ، ترك فينا بصماته الجميلة على مشوار حياته، تحدثت في بعض مقالاتي السابقة عنه وعن تفاصيل علاقتي به خلال حياته لكنني لم أغطى كثيراً من جوانب حياته من مختلف الزوايا ولكن ومهما كانت تلك الكتابات تبقى جوانب مضيئة من حياة راحلنا العزيز تستحق الدراسة فقد كُنت بصدد توثيق جوانب مراحل حياته المختلفة وما تفيض به من تجارب ومأثر والتي هي سجل حافل بالعطاء لا يمكن أن نختزله في هذه السطور ..
الشكر لرفاق دربه وبعض أصدقاءه من أبناء الأطاوله الأوفياء المقيمين في مدينة جدة والرياض والجنوب الذين وقفوا وقفه مشرفه وشاركوا في تكريمه قبل وفاته مُعبرين عن كل ما يتحلون به نُبل الأخلاق والوفاء والكرم الذي مثل كرمه فكان احتفاء وتوثيقاً لجانب من حياته وقد اتضح لي ذلك جلياً من خلال حرارة الاستقبال والترحيب له وصدق العاطفة فشكراً لهم هذا الوفاء والتكريم فهم يستحقون منا كل تقدير واحترام. كم كنت أتمنى أن أراه على منصة التتويج ليتم الاحتفاء به قبل مماته وتكريمه تكريماً رسمياً يكون عرفاناً ووفاء يليق به وبما قدم خلال مشوار حياته الطويل فهو جدير بذلك، هذا الرجل أعطى أكثر مما أخذ وكان لعطائه ليس له حدود، ولكن يبقى ما خلفه من سيرة عطرة هي خففت على محبيه وأسرته في فقده، هكذا الناس لا يتذكرون المُهمشين ولا يكرمونهم إلا بعد مماتهم. صادق العزاء والمواساة لكافة أهالي الأطاوله ولأسرته وأبنائه ولكل محبيه وأصدقاءه ومعارفه في منطقة الباحة وخارجها.
اللهّم أدخله الجنة بغير حساب برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهّم استقبله عندك خالٍ من الذنوب والخطايا برحمتك وعفوك وأنت راضٍ عنه غير غضبان عليه يا أرحم الراحمين.
تلوحية وداع: ـ
في هذه اللحظة والألم يعتصرني أتذكر أبيات الشاعر لبيد بن ربيعة: ـ
وما المرءُ إلا كالشِهابِ وضَوئِهِ …. يَحورُ رَماداً بَعدَ إذ هُوَ ساطِعُ
وما المالُ والأهلونَ إلا وَدائِعٌ …. ولابُدَّ يَوماً أنْ تُرَدَّ الودائِعُ

نايف الخمري / كاتب صحفي

شاركنا الخبر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى