كتاب واصل

في مواجهة نزعة التحوّل السائلة : كيف نصبر على النعيم ؟!

كتبة :د/ حامد بن أحمد الإقبالي

من المعاني الأخلاقية التي تغيب مفهوماً وتطبيقا في المشهد التربوي : الصبر في السراء والنجاة وذلك في مقابل التركيز الشديد على قضية الصبر في الشدائد والمصائب، وذلك أن الناس تعتقد أن التنعم بنعم الله من الملذات والمفروحات والمسرات تستوجب الشكر اللساني عليها فحسب فيما أن من موجبات استدامة هذه النعم الصبر عليها بعدم الإسراف منها ، وعدم تجاوز الحد والطغيان في التمتع بها . ولهذا نقل عن بعض السلف كأبي بكر الصديق أنه كان يقول: إن العافية مع الشكر خير من البلاء مع الصبر.
ولأن مفهوم الصبر على النعمة أخفى وأدق من أن يسترعي أذهان الناس ، فإنه لم يحظ بالمكانة الأخلاقية التي يستحقها من الالتزام والذيوع ، لكنه لم يكن خافيا على أذهان الصحابة ودقة ملاحظتهم لهذه المعاني الأخلاقية ، لهذا قال عبدالرحمن بن عوف (ابتيلينا بالضرّاء فصبرنا وابتلينا بالسرّاء فلم نصبر) وذلك لأن الناس اعتادت العافية حتى اعتقدت أنها حالة ثابتة واستحقاقاً دائماً لا يجب أن يغيب أو يزول ، والواقع أنها ليست سنة كونية أو قانوناً ثابتاً وإنما هي منحة ربانية تستوجب الشكر كيما تستحق الدوام.
ولعل من أسرار هذا النوع من الصبر على ما فيه من دقة معناه وخفاء دلالته ، هو الغفلة التي تصاحب المتنعّم سواء في أمان نفسه أو صحة جسده أو بركة ماله ، فإن المرء اذا غاص في الملذات لا يطرق سمعه شيئا ،ولا يسترعي سمعه حديث مآلات النعمة وتقلباتها ، ويكمن باعث هذه الإشكالية كما تطرق لها ابن مفلح في (الآداب الشرعية) في قدرة وتمكّن المتنعِّم في حال العافية خلافاً للمصاب في نفسه وماله وأهله فإنه يشعر بضعف الحيلة وقلة ذات اليد ، يقول “والمصاب في نفسه وماله وأهله فإنه يشعر بضعف الحيلة وقلة ذات اليد ، وانما كان الصبر على السراء شديدا لأنه مقرون بالقدرة والجائع عند غيبة الطعام أقدر منه على الصبر عند حضور الطعام اللذيذ”().
وقد يزيغ الإنسان عن المنطق أحياناً لرغبته في الخروج من ربقة الإلف والاعتياد كما حدث مع بني اسرائيل الذين طلبوا من نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام استبدال أفضل ما أنزله الله من المنّ والسلوى الى مأكولات أخرى تنبتها الأرض وتباع في الأسواق ( ياموسى لن نصبر على طعام واحد)
ومن المظاهر التي تستحق النّظر والاعتبار التي تتعارض مع هذا المبدأ السكوني في هذا العصر: حالة السيولة الجارفة لكل قيمة صلبة ، والشعور بالرغبة العارمة في كسر رتابة الحياة ، ووما يكشف تهافت هذه الرغبة ، أن الإنسان قد يتعرض إلى موقف بسيط يشعر فيه بضائقة ما تجعله يتمنى العودة الى حالته الأولى ، عندها تتجلى له حقيقة النعمة التي كان يتمتع بها ولم يستشعرها جيداً ، كما في حكاية الصوفي : سمنون المحب حينما امتلأ عافية وأنشد اغتراراً بفضل الله عليه:
وليس لي في سواك حظ فكيف ما شئت فامتحنّي
فابتلاه الله بعسر البول ، فظلّ يتلوى ويشكو للأطفال ويقول لهم : ادعو لعمكم الكذّاب ، حتى فرّج الله عنه ،على الرغم من التقوى والزهد الذي كان يتحلى به ، وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى طريقة جامعة في السلامة في الدين: “لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا”(). فالأصل سؤال السلامة من الآفات والشرور لأنها لا يعدلها شيء ، وأن مفارقة حالٍ طمأنينة مضمونة العواقب ؛ أفضل من التعرّض للبلاء في تطلّب حالٍ غير مأمونة النتائج.

شاركنا الخبر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى