مساحة حرة

ظهران الجنوب بين عظمة الماضي وبعث الحاضر

وسط أرخبيلٍ من البيوت الطينية، ومسافات الولَه الأخضر المشبوب بأرواح السلف الراحل من أبناء الجنوب، يقبع (ظهران الجنوب القديم ) الذي ينعمُ مؤخراً برعاية كريـمة من صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز أمير منطقة عسير، الذي أطلقَ مبادرته الرامية (نشامى عسير) إلى إعادة تأهيل القرى الأثرية، وإعادة الوهـج إلى ذلك التراب المسكون بأنفاس التاريخ المفعم بعبق الأصالة والماضي الجميل.

وقد حظيت المبادرة الكريمة من صاحب السمو الملكي أمير عسيـر باستجابة حثيثة من أهالي محافظة ظهران الجنوب رجالاً ونساء؛ إذ شرَعَت لجنة التنمية الاجتماعية بظهران الجنوب لرصد ملامح الواقع، والسعي إلى وضع الترتيبات اللازمة؛ لتفعيل هذه المبادرة الحسنة، وإدخالها حيز التنفيذ، وقد تجلت مشاعر الانتماء في أبهى صورها، حينما بادر ما يزيد عن ثمانين مواطناً كريـماً من أهل ظهران رجالاً ونساءً، إلى الإعلان عن استعدادهم التام؛ للانخراط في روح المبادرة، وتقاسم المهام؛ سعياً إلى تسليط الضوء على الإمكانات الكبيرة التي تتمتع بها المنطقة، وإبرازاً لما تنعم به من مقومات الاستثمار الذي ينظر للمستقبل، وقدماه رابضتان في سـحر الماضي وعبقه.

لقد تعددت المجالات التي تسعى المبادرة إلى إعادة التأهل من خلالها. وبالنظر إلى عناصر هذه المبادرة، يتبين أنها شملت المكان والإنسان معاً. ومن ثـم اتجـهت المبادرة إلى إضفاء نزعة بارزة من السمو على الممارسات البيئية؛ إذ سعت المبادرة إلى( أنسنة المكان) ، وطبعه بروح التسامح والسعادة، من خلال إلقاء ظلال قيمية على هذه المشروعات؛ فتقرر إيـجاد الفرص داخل القرية، كل فرصة لها عمل تطوعي، حيث قسَّمت لجنة التنمية الاجتماعية فريق العمل بناءً على مهاراتهم وقدراتهم، مع مراعاة، المحافظة على القيمة التاريخية والتراثية للمباني، والبحث عن المعلومات المؤكدة للأحداث التي جرت في ذلك العهد القديم؛ فانطلقت أولى تلك المبادرات بترميم المباني، وتـحويل القلاع والقصور القديمة إلى مزارات تاريخية تـحت فرصة ( شامـخات)، فشمخت تلك المباني، ونُفض عنها غبارها، فنافَت لنا المحكمة، والمالية، والجمارك، والشرطة، والمستشفى، والمدرسة التي أنشِئَت عام 1368ه.

وظهر المسجد، الذي كان ولا يزال تقام فيه الصلاة حتى الساعة. وقد بلغ عدد الحاضرين لتلك المبادرة من ملاك الشامخات ستة وثـمانين رجلاً. كما امتد (مـمر السعادة) يـجوب أنـحاء القرية كلها، مزدانا بأعمال الرصف، والإضاءة؛ ليكون له نصيب من اسمه؛ إذ ينشر البهجة في النفوس، ويطبعها في العيون، حتى إنه يتجاوز المفهوم النفعي للطريق إلى وظيفة الإمتاع على غرار النصوص الإبداعية التي تحمل بين طياتها المتعة والمنفعة .

وفي الوقت ذاته سعت المبادرة من خلال فرصة ( كبارنا) إلى الاحتفاء بالكبار ممن هم رموز دائمة للعطاء؛ سعياً إلى تفعيل أدوارهم، وتثمين خبراتهم في الحفاظ على كيان المجتمع، والنأي عن كل ما يعكر السلْم المجتمعي من مشاعر، أو ممارسات قبلية من شأنها إثارة العصبية، وتأجيج آثارها المقيتة.

وإمعاناً في ترسيخ القيم العربية الأصيلة، وهي قيم درجت عليها قبائل العرب في بواديها وحواضرها، منذ القدم، فقد كان احتفاء المبادرة بقيمة العون والغوث ” والفزعة ” لكل محتاج، وذلك من خلال فرصة ( أبشر بنا) وهم أهل المبادرات الايجابية ممن حسنت سيرتهم، وطال باعهم في فعل الخير، وبذل العون للآخرين، من خلال رمز بيئي طالما فخرت به البيئة السعودية، وهو يـحمل دلالات البشرى والعون والعطاء.

وفي المقابل سعت المبادرة إلى إضفاء النزعة الجمالية على المكان من خلال فرصة ( أجمل إطلالة )، إذ تهدف إلى إنشاء إطلالة جمالية على ضفاف وادي العرين، وفق شروط الصحة والسلامة والخلو من التنازع.

إن تلك المبادرة الكريمة التي تسعى إليها منطقة عسير، تعبر عن تصور متكامل، لبعث الروح، وإعادة الحياة إلى مناطق شتى من ربوع عسير، لا ينقصها سوى نفض الغبار عن ملامح الأصالة فيها؛ لتغدو بذلك نواطق بالسحر والإبداع والجمال، وهي جميعاً من نعم الله تعالى على هذه البلاد الطيبة، ومن هنا كان للزراعة نصيب من هذه المبادرة من خلال فرصة ( نأكل مما نزرع) التي تمثل تأكيداً على الطابع المحلي لمحافظة ظهران الجنوب؛ وسعياً إلى تعزيز الإنتاج الزراعي، وتسويقه بـما يلبي حاجات أهالي المنطقة. ولأن المرأة ذات دور فعال في خدمة المجتمع، وذات إسهام مفصلي في حياتنا بوجه عام، خصصت لجنة التنمية الاجتماعية فرصة ( بأيدينا احترافنا) للعنصر النسائي؛ فكانت ( نشميات الحي ) في العمل والعطاء مضارعات للرجال في الجد والعمل والبذل.

وهو ما يمثل استثماراً في الإنسان وملكاته ومواهبه، وهو ما يتعالق مع فرصة أخرى هي فرصة ( نجومنا) الذي يسعى إلى إعلاء قدر الإبداع، واستقطاب أصحاب القدرات الخاصة، ودعمهم؛ من أجل ضمان استمرارهم، وإسهامهم في دعم الحياة الفكرية في المنطقة، وفي المملكة كلها. ولم ننس شهداء الواجب فهم حبات القلوب، وفخر أهل الجنوب، الذين بذلوا أرواحهم فداء للوطن، شهداء عند ربهم، وأحياء يرزقون، رحلوا بأجسادهم، لكن أرواحهم ترفرف في معرض خصص لهم في فرصة ( فخرنا) فبهم نفخر، ونفاخر، وبهم نتباهى، ونزهوا.

إن هذه المبادرة الخلاقة بما تنطوي عليه من قيم جليلة، تسعى إلى إعلاء شأن الإنسان، كـما تسعى إلى إقامة رباط وثيق بين الإنسان وبيئته من ناحية، وبين الإنسان وروح الماضي من ناحية أخرى، وهي في كل حال تدعيم لقيم المواطنة الفعالة، والانتماء الإيجابي لوطنٍ يعيش فينا، بقدر ما نعيش فيه، وإعلاء لضمير الجماعة في مقابل ” الأنا “الفردية، وتوسيع لدائرة العمل الاجتماعي الذي يضع نصب عينيه رضا الله ثم صالح الوطن.

قبيل الختام ، أقدم مقترحاً ربـما كان من شأنه إثراء المبادرة، وهو السعي إلى استغلال الطبيعة الجميلة، والطابع الأثري في تفجير مواهب أبناء المنطقة ممن لديهم بذور الإبداع، والسعي إلى استغلال ( مسرح ظهران القديم ) ـــ الذي أُتِـمَّ في وقت وجيز ـــ في تنظيم محفل ثقافي يتم عقده في كل عام بين هذه الربوع الآسرة؛ ليكون أعْون على تنشيط الحركة الفكرية والسياحية في المنطقة. وهو ما يستدعي القيام بتسوير القرية التراثية حفظاً لها وصوناً لما قد تحتضنه من فعاليات في قادم الأيام .

ختاماً، وافر الشكر وجزيل الامتنان لشركاء النجاح، الذين وعدوا؛ فأنجزوا، وقالوا؛ ففعلوا إسهاماً في دعم الجنوب وأهله، وعلى رأسهم أمير منطقة عسير صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز آل سعود، الذي شرف ظهران الجنوب القديـم بزيارته الكريمة، وكذلك للمؤسسات الحكومية، وللداعمين الكرام من رجال الأعمال، وأهالي المنطقة، والمبادرين الشباب، وأعضاء لجنة التنمية الاجتماعية من النشامى الذين فتحوا باب العمل ولم يغلقوه بعد؛ ففي البال ألف فكرة، وبين كل فكرة وفكرة تتفانى النفوس، وتتسابق القلوب في حب ( ظهران الجنوب) موطن الجمال، ومعرض الذكريات، ومدارج الصبا، ومصانع الحنين.

ب 🖋 د. مرعي بن محمد الوادعي ٩-٣-١٤٤٢ هـ

شاركنا الخبر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق