كتاب واصل

في حضرة السيف

كتبه : سعود بن محمد البديع

كان العرب يفتخرون بسيوفهم ويتغنون بها، ويسمي العربي سيفه كما يسمي ابنه، وهناك عوائل تسمت به: كعائلة السيف وعائلة أبو سيفين، وأشخاص عدة سمو باسم (سيف): كسيف بن ذي يزن، سيف الدولة الحمداني، وسيف الدين قطز.

السيف استخدم في العرضة النجدية والعروض الترفيهية، تجده معروضاً للبيع في سوق الزل، وعلى الشبكة العنكبوتية، ولازال بعض الأشخاص يحتفظ بسيف جده.

السيف رمز للقوة والشجاعة؛ لقرب المسافة بين المتقاتلين.
السيف يذكرك بأبرز المبارزات التاريخية كما حصل بين علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وعمرو بن ود.

تعجب كل العجب كيف حمل الأسلاف الأسياف على ثقلها، بل وتنكسر في يد سيف الله المسلول خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ تسعة أسياف؛ سبحان من أودع في ساعده القوة!
إن السلاح جميع الناس تحمله// وليس كل ذوات المخلب السبع.
 
زر متحفاً فيه سيوف نادرة؛ لتعرف حقيقة أوزان السيوف.

باستطاعتك أن تتعلم تقنيات التعامل مع السيف في عدة رياضات: ((الأرنس، الايكيدو، كيندو، ياي توهوToho-Iai))، ايادو(Iaido))وعلى اليوتيوب مقاطع مفيدة يمكنك الاستفادة منها.

هناك مواقف عديدة حدثت في ساحة القصاص، ياليت السياف يدونها بتفاصيلها؛ ففيها عظات وعبر!
 

السيف حتى لو لم يكن فيه ثلمة ففيه مثالب، وهكذا أي شيء من الممكن أن تخرج له سلبيات (فلكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة، ولكل صديق جفوة، ولكل سيف نبوة)
من عيوبه: أنه يحمل باليد، ويتعرض للصدأ، ويوضع تحت الإبط، يحتاج أن يحفظ في غمد، وقد يأكل من الغمد، ويمكن أن يصيب صاحبه؛ ترتد الضربة عليه فيخدش.
 ومن مشاكله أنه لا يصوم عن الدماء البريئة؛ إذا كان في يد ظالم أو مجنون وأضرابهم.
 

ومما جادت به قرائح الشعراء والحكماء حول السيف:

(العقل كالسيف والتجربة كالمسن)، (ما تنفع السيوف بلا رجال)، (لولا السيف لكثر الحيف)، (قد يتوقى السيف وهو مغمد)، (لا يجمع سيفان في غمد)، (السيف لا يقطع غمده)، (الغمد راض بلونه الأغبر ما دام يصون حد السيف)، ( فالسيف أهول ما يرى مسلولا)، (السيف الذي لا يستعمل طويلاً يعلوه الصدأ)، (سيوف الحاكم كم ردت من كلمة سفيه في فيه)، ( فمن حمل السيف عاف العصا)، (لا تسل سيفك لكي تقتل بعوضه)، (لئن كسر المدفع سيفي فلن يكسر الباطل حقي)، (ذهب الذين أحبهم وبقيت مثل السيف فردا)، (حطيت الأجرب لي خوي// يوم كل تبرى من خويه)، (السيف أصدق انباءاً من الكتب// في حده الحد بين الجد واللعب)، (من لم يمت بالسيف مات بغيره// تعددت الأسباب والموت واحد)، (إن الرسول لنور يستضاء به// مهند من سيوف الله مسلول).
 

ومما ورد من أحاديث وآثار:

(النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ نَهَى أن يُتعَاطى السَّيفُ مسلولًا) صححه الألباني.

(كان نعلُ سيفِ رسولِ اللهِ من فضةٍ، وقبيعةُ سيفِه فضةً، وما بين ذلك حِلَقُ فضةٍ) صححه الألباني.

(يا رسولَ اللَّهِ ! ما بالُ المؤمنينَ يُفتَنونَ في قبورِهِم إلَّا الشَّهيدَ ؟ ! قالَ : كفَى ببارقةِ السُّيوفِ علَى رأسِهِ فتنةً)صححه الألباني.

 (وجَعَلَ يُكَلِّمُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَكُلَّما تَكَلَّمَ أخَذَ بلِحْيَتِهِ، والمُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ علَى رَأْسِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومعهُ السَّيْفُ وعليه المِغْفَرُ، فَكُلَّما أهْوَى عُرْوَةُ بيَدِهِ إلى لِحْيَةِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ضَرَبَ يَدَهُ بنَعْلِ السَّيْفِ، وقالَ له: أخِّرْ يَدَكَ عن لِحْيَةِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ) صحيح البخاري.

 (من يمنعُكَ منِّي؟ قال: اللَّهُ. فسقطَ السَّيفُ من يدِه، فأخذَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ السَّيفَ فقال: من يمنعُكَ منِّي؟ فقال: كُن خيرَ آخِذٍ. قال: تشْهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ وأنِّي رسولُ اللَّهِ قال: لا، ولَكن أعاهدُكَ على أن لا أقاتلَكَ ولا أَكونَ معَ قومٍ يقاتلونَكَ. فخلَّى سبيلَه، فأتى أصحابَه، فقال: جئتُكُم من عندِ خيرِ النَّاسِ) صححه الألباني.

(يَا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي لَقِيتُ كَافِرًا فَاقْتَتَلْنَا، فَضَرَبَ يَدِي بالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بشَجَرَةٍ، وقالَ: أسْلَمْتُ لِلَّهِ، آقْتُلُهُ بَعْدَ أنْ قالَهَا؟ قالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لا تَقْتُلْهُ قالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، فإنَّه طَرَحَ إحْدَى يَدَيَّ، ثُمَّ قالَ ذلكَ بَعْدَ ما قَطَعَهَا، آقْتُلُهُ؟ قالَ: لا تَقْتُلْهُ) صحيح البخاري.

 في قصة مقتل أبو جهل (فَقالَ: أَيُّكُما قَتَلَهُ؟ فَقالَ كُلُّ وَاحِدٍ منهمَا: أَنَا قَتَلْتُ، فَقالَ: هلْ مَسَحْتُما سَيْفَيْكُمَا؟ قالَا: لَا، فَنَظَرَ في السَّيْفَيْنِ، فَقالَ: كِلَاكُما قَتَلَهُ، وَقَضَى بسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بنِ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ. وَالرَّجُلَانِ مُعَاذُ بنُ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ، وَمُعَاذُ بنُ عَفْرَاءَ) صحيح مسلم.

 (خِيارُ أئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ ويُحِبُّونَكُمْ، ويُصَلُّونَ علَيْكُم وتُصَلُّونَ عليهم، وشِرارُ أئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ ويُبْغِضُونَكُمْ، وتَلْعَنُونَهُمْ ويَلْعَنُونَكُمْ، قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، أفَلا نُنابِذُهُمْ بالسَّيْفِ؟ فقالَ: لا، ما أقامُوا فِيكُمُ الصَّلاةَ، وإذا رَأَيْتُمْ مِن وُلاتِكُمْ شيئًا تَكْرَهُونَهُ، فاكْرَهُوا عَمَلَهُ، ولا تَنْزِعُوا يَدًا مِن طاعَةٍ)صحيح مسلم.

 (كانَ سَيْفُ عامِرٍ فيه قِصَرٌ، فَتَناوَلَ به يَهُودِيًّا لِيَضْرِبَهُ، ويَرْجِعُ ذُبابُ سَيْفِهِ، فأصابَ رُكْبَةَ عامِرٍ فَماتَ منه) صحيح البخاري.

 
لمحات حول السيف الأملح:

·        ياليتنا رضينا بالعدد القليل الذي تقتله السيوف حتى لا نخترع المدافع والأدوات الحديثة التي أسرفت في سفك الدماء.
·       لا تغرنك المظاهر، فبعض الناس مثل سيوف الزينة ما تنفع وقت الصمايل.
·       صناعة السيف تمر بعدة مراحل: يحمى عليه في النار، ويطرق بالمطرقة، ويحتاج شحذ السنة؛ قبل أن تصل لمبتغاك لا بد أن تتعرض للآلام والعوائق؛ فاصبر فالهدف قريب، ولا تستعجل المراحل حتى تكون سيفاً مصقولاً.
·       أطلق العملاق الذي بداخلك؛ فالسيف مثل العصا إن كان مغمدا. انخلع من كل عادة سلبية كما ينخلع السيف من غمده، فإذا كانت قيمة السيف بحده فإن قيمة المرء بكده.
·       استثمر وقتك جيداً؛ فالوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.
·       عدم التسرع في اتخاذ القرارات دون تمعن وروية حتى لا يقال: (سبق السيف العذل).
·       العقل يحتاج إلى التعلم المستمر؛ كما يحتاج السيف أن يشحذ بحجر المسن.
·       الناس يكمل بعضهم بعضا، كما احتجنا لسيف خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ كذلك احتجنا لشعر حسان بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ. إن السيف في يد المقاتل لو لم يسنه خبير في الحدادة ويشحذه لما أدى السيف مهمته.
·       وسع دائرة المحبين لك فسيف الرجل أنصاره وأولاده، إذا غضب الأحنف غضب معه عشرة آلاف سيف، لذلك يقول بعضهم عن أولاده: ولدت سيوفاً قواطع.
·       السيف لا يمسك من المنتصف كالعصا؛ فالمواقف الحاسمة والثوابت لا يمكن أن نقف فيها في المنتصف.
·       قضى النبي صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في أسرى بدر: من كان منكم يحسن القراءة والكتابة فليعلم عشرة من المسلمين فذلك عتاقه؛ (جاؤوه بالسيف فأخذ منهم القلم).
·       واجه عدوك بمثل سلاحه أو أقوى منه؛ فالسيف بالسيف يقرع وحامل السيف لايغمده في غمده إلا أمام حامل سيف مثله، فالسيف في مكافحة السيف.
·       العبد مأمور بفعل الأسباب، والنبي ـ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ـ خرج للحرب متقلداً سيفه لابساً درعه.
·       الجهاد في سبيل الله سنة ماضية: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ)،                   (لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، واعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ)صحيح البخاري، (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).
·       الإسلام انتشر بالعلم، والسيف أداة لمن وقف في طريق الدعوة، والحق الذي لا تدعمه قوة تستهين به الناس، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).
·       الصحابة من كان مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومنهم من كان في صف الكفار قبل أن يسلم، حصلت حروب دامية ثم ألف الإسلام بينهم، على شدة ما كان بينهم من نزاع وخصام، بعد نجاح الدعوة تصادق الخصمان، (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، الأوس والخزرج كانت بينهم حروب في الجاهلية استمرت لسنوات فلما دخلوا في الإسلام زالت تلك النفرة وأصبحوا كالجسد الواحد، (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
·       جهاد الرأي لا يقل أثراً عن جهاد السيف، والحجة تقارع بالحجة والرأي يضرب بالرأي والأفكار الباطلة تقارع بسيف العلم(قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا) وقال عن القرآن: (وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا)، لا تستهن بكلمة تقولها قد تغمد سيفاً ظالماً، عبدالله بن عباس ـ رضي الله عنه ـ رجع معه ألفان من الخوارج بالكلمة والحجة والنقاش.
·       من الحكمة استخدام الشدة في موضعها واللين في موقعه،
فوضع الندى في موضع السيف بالعلا// مضر كوضع السيف في موضع الندى.
·       ظلم الأقارب والكلام الجارح أشد وقعاً من الحسام المهندِ؛ بعضهم سيفه في فمه.
·       على حد قول الشيخ ابن عثيمين “لا يحل لك أن تأخذ أموال الناس وممتلكاتهم بسيف الحياء” (لا يَحِلُّ مالُ امرِيءٍ مُسلمٍ إلَّا بِطِيبِ نفسٍ مِنهُ)صححه الألباني، (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً).
·       بعض المقارنات مجحفة كما قيل:
ألم تر أن السيف ينقص قدره// إذا قيل إن السيف أمضى من العصا.
·       تكليف من ليس بأهل في بعض الأماكن المهمة ظلم كما نظلم السيف إذا وضعناه في يد جبان.
·       من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه؛ سليمان ـ عليه السلام ـ لما ألهته الخيل عن الصلاة أخذ سيفاً وعقرها: (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ/ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ/ رُدُّوهَا عَلَيَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ) فعوضه الله بالريح: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ).
·       لذة الطاعة: قال إبراهيم بن أدهم: “لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف”، (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)، (ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَن رَضِيَ باللَّهِ رَبًّا، وبالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ رَسولًا) صحيح مسلم.
·       الساحر وجوده سيف على أرقابنا (حدُّ الساحِرِ ضربَةٌ بالسَّيْفِ)
قال الألباني: الصواب عن جندب موقوفاً، (كتَب عُمَرُ أن اقتُلوا كلَّ ساحرٍ وساحرةٍ) صححه شعيب الأرناؤوط، (عن حفصةَ أمِّ المؤمنينَ ـ رضِيَ اللهُ عنها ـ أنها أمرت بقتلِ جاريةٍ لها سحَرتها، فقُتِلَت) صححه ابن باز.
·       الانتفاع بالرقية الشرعية، كما يقول ابن القيم: السيف بضاربه.
·       أنا سيف من سيوف الدولة وهكذا كل مواطن، كل من عادى سنجعل السيف يشبع من دمائهم، يقول عنترة بن شداد:(وسيفي كان في الهيجا طبيباً// يداوي رأس من يشكو الصداعا)،وكما قال القائل: (أسيافنا يجرين من نجدة دما)، (وإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ، فَانْفِرُوا) صحيح البخاري 
 
اللهم ارزقناً فهماً حاداً، وإيماناً قوياً، وثبت أقدام إخواننا على الحد الجنوبي، وانصرهم يارب العالمين.

شاركنا الخبر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق