مساحة حرة

تغريد وجهات النّظر

كتبه أ. مسفر العرجاني

 لا شكَّ أن القلوب تغرّد بألسنتها في اللقاءِات والاجتماعات والنقاشات وكلُّ تغريدةٍ على حسَبِ عدد الحروفِ التي حددت لها فتبدأ عدّا تنازليّا حتى الصفر، -كما هو الحال في “ ” تويتر “- ، ثم يذهبُ كلّ في حال سبيله، كما أنّه لا يمكنك أن تغرد في “تويتر” إلا بعد تنسيق تغريدتك لتظهر للآخرين بالمظهر المرضي والشكل الحسن.

كذلك هيَ كلمتُك إذا سُلّطت عليك الأضواء لتدلي بما عندك، عليك مراجعتها مراراً ؛ لتخرُجَ وهي تمسحُ على القلوبَ مسحًا، كالغيثِ إن أقبل على الأرض غدقا سحًّا.
في مبادراتك الأوساط المجتمعية لا تكن مُوَسوِسًا بطيئًا، ولا متهوّرًا عجولًا بذيئًا، ولا في الحق خجولًا بريئًا، احرص على أن تكون بريئًا من المحبّطات والذنوب والجرائم، ودعِ البراءَةَ في مجاملة العقم في العقليات وتثبيط العزائم.

كثيرًا ما تحلّ جملةُ ” وجهة نظر ” العديد من احتدام النقاشات  التي لا طائلَ منها ولا مصلحةَ مَرجوّه، لاسيما إذا كان المتناقشون -بحكم ثقافتهم وعلمهم- يوظفونها ويفعّلونها بالطريقة المثلى في الطرح.

“وجهة نظر ” هيَ أيضًا مشكلتنا في إساءة إستخدامها، عند من يجهل قيادتها، فيخالف بها سير مركبات النقل الصحيح، ويصطدمُ بأرصفة العقل الصريح، و قد يتضرر المشاة الباحثين عن العلمِ أيضًا !

* سمعتُ أنّ مناقشةً حصلَت بين رجلين في مسألةٍ فذكرَ أحدهما للآخر آيةً قرآنيةً كريمةً لا تحتملُ أكثرَ من معنَاها ولا ينقض المتأولون مبناها، فقدّمها دليلًا، فقال صاحبه : ” هذي وجهة نظرك !” ، وزعمَ أنه بعقله يعرف مايجب عليه !
صدق الشاعر:

     لن تبلغَ الأعداءُ مِن جاهلٍٍ
               ما يبلغُ الجاهلُ مِن نفسِه !

*لذلك في المسائل التوقيفيّة يُقدّمُ النّقلَ(الوحي)، على العقلِ؛
لأنّ العقل لا يُعصم من الاضطراب، والرأي الغريب، والعزم المريب، أمّا النّقل بكتابه وسنّته فقد أخبرَ اللهُ تعالى بحفظه :
 (   بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ) .
 ( لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) .

 وصخّر لسنته من يحفظها ويعلّمها ودعا له ﷺ بأن ينضّر الله وجهه أي يحسّنه ويجعله مشرقًا ناعمًا جميلًا قال ﷺ:
 ” نضَّرَ اللهُ عَبدًا سَمِع مقالتي فوعاها، فبَلَّغها مَن لَم يَسْمعها……” الحديث.

*ومخطئٌ من قالَ بتعطيلِ العقل بتاتًا ، فهو مساندٌ لشرع الله بتفكيرِه وفطرته، فهو إدارة أداء العبادات وتنفيذها، وأداة التفكّر في خلق الله :  ( وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ )، وكل عقلٌ يولد على الفطرة السليمة، ولكن المكتسبات التي يكتسبها في حياته، والتي يغذّى عليها ويربّى من والديه ومجتمعه، كانت سببًا في تغيير مسار فطرته الى اتجاهاتٍ عديدة -مالم يكن مسلمًا، يقول ﷺ:
” ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه ” أي يجعلانه يهوديّا أو نصرانيّا أو مجوسيّا، ولم يقل يجعلانه مسلمًا، لأن عقل المولود المسلم موافقٌ للفطرة وأبواه يعززانها فيه فلا ترى فطرته تستغرب او يرى أنّ هذا غير منطقيّ.

*ولم يسمّ العقلُ عقلًا إلا لأنه اشتُقّ اسمه من العقال الذي تعقل به الراحله .
-فعلى صاحب العقل أن يجعلَ لعقلهِ من اسمه نصيبًا، في تصرفاتِه بردعه عن المتاهات التي لاتنتهي وبعض النقاشات التي تُساء فيها العبارات، و تُفردُ العضلاتُ لإقناع الطرف الآخر وارضاءِ الذات.

*و ورطة تناقض العقل وتهوراته وجهله ليست خاصّةً بجهلَةِ الناس، فربما نالت ممّن لهم باعٌ طويلٌ في العلوم المفيدة على اختلاف اصنافها وايجابياتها، لو أن العقلَ وحدَهُ يكفي بذكاءه وخبراته، دون أن يكون هناك نقلٌ (صحيحٌ) يسانده – ويتوكأ عليه في شيخوخة المنطق وغياهب الحيرة- لَمَا حصَلت القصة التالية -وغيرها كثير- :
– يُحكى أنّ دكتورًا هندوسيًّا رأى رجلاً مسلماً يقطّع لحماً ويقليه فجعلَ يبكِي ودموعُه تتحادر من عينيه، فلما سأله المسلم عن سببِ بكاءه، قال : هذا إلهي تقطّعه أمامي وتقليه، وأنا أتفرّج !

  -دكتورٌ متعلم و مثقف يحمل شهادات عاليةً معتمدة وخبرات طويلة، ولكنّ عقله لم يسعفه بحكم انه لم يفرّق بين الحقّ والباطل، ولم يبحث عن الحقيقة التي تساند عقله وفطرته، الحقيقة التي هي أهمّ من علمه الذي أفنى عمره فيه، دون أن يُطلق سراحَ عقلِه من حبس الخرافات وتقديس التفاهات!

*الخلاصة: الكلامُ الذي تزنه وزنًا دقيقًا في مخاطبتِك المجتمع، كذلك يجب أن يكون دقيقًا في موافقة المبادئ التوقيفية، التي لا يقالُ فيها بالرأي أو وجهات النظر، وإذا كان إنكارك على مخالِفِ المبادئ التوقيفية ليس إلاّ إبرازًا لشخصيتك، وليس خالصًا لربّك، فعملُك هباءٌمنثورٌ ونفعُه معدوم، فيعتريك الغضب وترفع الصوت وتنتصر لكلمتك، وتريدهم ان يجتمعوا على قبولِ كلامِك؟! ( وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ )فأصلح نفسَك قبل أن تحاول الإصلاح، بإخلاصك،وقل لهم قولًا ليّنا .

-إذا لاحظت على نفسك أنها قاسية في نصح الآخرين عن اخطاء ارتكبوها، وهي أقل من خطأ فرعون وظلمه، فتوقّف للحظة، وقل لنفسك :
– ألم يقل فرعون ( أنا ربّكم الأعلى ) ؟ فأمر الله نبيه موسى عليه السلام وأخاه هارون أن يُخاطبا فرعون باللّين ؟!
فقال تعالى :
( اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ) .

-ولا تنصح أحدًا وتقوم بتتبّعه بعد النصيحة لترى هل أخذَ بها أم لا، تذكّر أنّها نصيحة وليست أمرًا يجبُ أن يطبّقهُ على الفور .

– ولا تنصحهُ علنًا أمام الناس، فهذا توبيخ ولو كنت محقّا في نُصحِك، بل انفرد به على حِدَه وانصحهُ بلين وتواضع،  قال الشافعي:

تعمّدني بنصحِك في انفرادي
            وجنّبني النصيحةَ في الجماعَة
 فإنّ النصحَ بين الناسِ نوعٌ
            مِنَ التوبيخِ لا أرضى استماعَه

شاركنا الخبر

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق