مساحة حرة

إعادة تأهيل الوفاء

كتبه : مسفر العرجاني

يحتاج الإنسان أن يربط على قلبه بصفات المودّة لكلّ من يستحقها، وبالسّكوت عمّن لايحبّذ الاحتكاك بهم، حرصًا على ترابط الأُسر وبُعدًا عن ميدانِ الحقدِ والتجريح، إنه الشخص الوفيّ الذي له حقوق على محيطِه إذا أيقن المجتمع بوفاءه وكادَ أن يتّفق، وتَصعبُ معرفة ذلك إلّا بالتجارب أو الملازمة في شأنٍ من شؤون الحياة، أو الصداقة أوالسفر الذي هو من معايير تجربة الإنسان، أو الأنباء المتداولة عنه، وتصعب معرفة الإنسان الوفيّ؛ لأنّه لايحبّذ الإفصاح عن مواقفه ووفاءه وإيثاره وعمله المعروف وردّه وإغاثته الملهوف وصدّ أقسى الظروف عمّن اشتكى، وعانى وبكَى، الإنسانية الصامتة بداخله لا تتحدث؛ اكتفت بصنع المشاهد الحقيقية، لتتكلم مشاهد الوفاء بدلًا عنها، تحدثنا وتحضّنا على تقدير صاحبها والتواصل معه، قبل أن يكون التواصل لأيّ مصلحةٍ ما؛
إذْ لابدّ أن يسبق الإدلاء بمصلحَتِك تواصلٌ معتاد وعفويّ، ولا انقطاع مفاجئٌ مريب، إذ أن هناك فئة كبيرة من الناس لا يشرعون إلى التواصل مع الشخص إلّا حين ضرورة الإتصال بهِ ليخدمهم في موضوع معيّن، وبعضهم يقدّر فارس الوفاء فعلًا قبل هذا الإتصال ولكن لم تهيئ له ظروفَه وارتباطاتَه التواصل قبل هذه الضرورة، ربّما لديه الوقت الكافئ للتواصل، ولكن لا يتذكر أحيانًا، ( ألسنا ننسى الصلاةَ أحيانًا وهي أهم؟ )، وبعضهم لايحمل له أي تقدير رغم مواقفه، ولكن إذا دعت الحاجة إليه يقوم بالتواصل معه لإنهاء موضوعه الذي يؤرّقه فقط ! ويراه أداة لتنفيذ مصلحته لاغير !

*وتزداد نفرة بلهاء المجتمع من الإنسان الوفيّ وتُطرح تساؤلات:

-هل من ابتعد عن هذا الفارس بدون سبب كان يرى نقص نفسه إلى جانب صفات الوفيّ؟ ويريد تسليط الأضواء على شخصيّته في ميدانٍ خالٍ من الفرسان؟ أو ملئٌ من أشباهه؟
” والطيورُ على أشكالِها تقع “

-أمّا من اعتراه التسخّط والغيظ، فهل يخلق المشكلة ويتصنّع الزعل بنفسه بناءً على فهمٍ خاطئٍ لكلمة بريئةٍ؛ لمحاولة تشويش الوفاء في نفس الوفيّ وتنفيره من صفتهِ الكريمة؟ هيهات ! ليتهُ علِمَ أن الوفاءَ ليس مجرّد مهنةً ينفر منها صاحبها إبّانَ إحساسه بالإرهاق والتّعب إنما هي صفةٌ -حث عليها الدين ووهبها الله لصاحبها- نابتةٌ في النيّة ثابتةٌ في التصرفات نابعةٌ في صحراء الحاجات القاحلة، ملازمةٌ صاحبها حتى النهاية.

-هل يريد من يخلق الزعل تحريف وتدليس صفات الوفيّ في أسماع المجتمع وتشويش صورته في عيونهم؟
أم يريد أن يُثبت للوفيّ أنه لايستطيع أن يستمرّ في وفاءه وخُلُقه الحميد بناءً على خطإِه الذي أغضَبَه؟
(وهذا محض حسد لاغير).

يقول الشاعر :

لكنَّها الأيامُ تُبدي للورى
          ما يَستَثِيرُ حَفِيظَةَ العُقَلاءِ

*الخلاصة:
على المجتمعات أن تعرف أنّ الإنسانَ -الذي اتصفَ بالوفاءِ- بشرٌ مثلهم وليس نبيًّا مرسلًا معصوما، وكلامُهُ ليس كتابًا منزلًا محفوظا، إنما تشوبه بعض من الأخطاءِ والتصرفاتِ البشريّة؛ لذلك لا يتفاجأ البعض بزلةٍ ضئيلةٍ انفلتت من لسانِهِ على غيرِ قصدٍ، أو غضبٍٍ غَضِبَهُ من شيءٍ رآه من تصرفاتٍ هوجاء، أو تحايلٍ واضح، أو فكرٍ عقيم.

*على المجتمع إعادة تأهيل الوفاء في النفوس بتفعيلُ ميزانِ الإيجابياتِ والسلبيّاتِ مع الوفيّ، سترجح ايجابياته ووقفاته وطيب ذاتِه بهذه الكفّة حتمًا، مقارنةً بسلبياته التي إن كَثرت غَرِقَت في بحرِ ايجابياته المشهوده.

*اعلم أنه ليس عدلًا أن ترى كِفّةَ وفاءِ صاحبِك ثقيلةً وكِفّةَ عُيُوبِهِ خفيفةً، ثمّ تضع صَخرةً من التجاهلِ -وبطر الحقّ وغمطِ الناس- في كِفّةِ السلبيات فترجح!  وتصفّق لانتصارك لذاتك، برعاية العزّة التي أخذتك بالإثم.

قال عليّ -رضي الله عنه- :

ذهبَ الوفاءُ ذهابَ أمس الذاهب  
                      والناسُ بين مخاتلٍ ومواربِ

يفشون بينهم المودةَ والصفا 
                     وقلوبهم محشوة ٌ بعقاربِ

*من تيقّنت بوفاءه عليك أن تجعلَ مقابل كل إيجيابية واحده ثلاث من السلبياتِ، قبل اتخاذك القرار، لا أن تجعلَ سيئةً واحدةً تذهب بمئاتِ الحسناتِ لأتفهِ الأسباب.

شاركنا الخبر

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق