كتاب واصل

اشتقنا لك يا أبا حفص ؟!

كتبه : هيثم عبد الحميد

تمر علينا هذه الأيام ذكرى بيعة عمر بن عبد العزيز بالخلافة في صفر من سنة تسع وتسعين من الهجرة و كلما قرأت أو استمعت لقصة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ولكأني أسمعها أو أقرأها لأول مرة ! و أكتشف أثر الحكم الرشيد على حياة الأمة حينما يطبق العدل ويجسد في حاكم راشد ! أعاد عمر المياه إلى النهر ليروي أهله و رجعت الحقوق لأصحابها واغتنى الناس حتى الطير في السماء كان له نصيب أليس هو من قال : “أنثروا القمح على رؤوس الجبال حتى لا يقال جاع طير في بلاد المسلمين” .

وقفت كثيرا أمام دور سليمان بن عبد الملك و تذكرت أننا لا ننصفه حينما نروي قصة عمربن عبد العزيز و نسقط دور سليمان الحاكم الراشد الذي اتقى الله في أمته وقدم للحكم من طاقة له به وقدرة له عليه كما نخطئ حينما ننسى دور البطانة الصالحة مثل رجاء بن حيوة الوزير الصادق المخلص لدينه وأمته فلولاهما ما رأت الأمة مثل عدل عمر ولا حكمته ولا رحمته ولا زهده ؟!

ولا نأخذ العبرة ولا نعي الدرس حينما نتجاهل أن الوليد شقيق سليمان بن عبد الملك عزل عمر عن ولاية الحجاز استجابة لنصيحة الحجّاج بن يوسف الثقفي وكان الوليد يظن بأن سياسة الشدة والعسف هي السبيل الوحيد لتوطيد أركان الدولة وسعى الحجاج للانتقام من عمر بعد أن أصبح الحجاز ملاذاً للفارين من عسفه وظلمه في العراق فكتب إلى الوليد: «إن من قبلي من مُرّاق أهل العراق وأهل الثقاف قد جلوا عن العراق، ولجأوا إلى المدينة ومكة، وإن ذلك وهن»

و من العبارات التي استوقفتني وكأنها كتبت ليشهد عليها التاريخ ولتكون حجة على من يتولي الحكم في بلاد المسلين قول عمر بن عبد العزيز لسليمان بن عبد الملك: اليوم رعيتك وغدا خصومك أمام الله ! وحينما تولى الأمر قال في خطبته الأولى لرعيته : ألا وإني لست بمبتدع ولكني متبع، ألا إنه ليس لأحد أن يُطاع في معصية الله، ألا إني لست بخيركم، ولكني رجل منكم، غير أن الله جعلني أثقلكم حملاً.

أيها الناس، من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فلا يقربنا: يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا من الخير على ما نهتدي إليه، ولا يغتابن عندنا الرعية، ولا يعترض فيما لا يعنيه.

يا أيها الناس، من أطاع الله وجبت طاعته ومن عصى الله فلا طاعة له أطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. وإن من حولكم من الأمصار والمدن فإن هم أطاعوا كما أطعتم فأنا وليكم، وإن هم نقموا فلست لكم بوالٍ .

وحينما ردَّ عمر بن عبد العزيز على هشام بن عبد الملك وقد أتى ليبايع عمر فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون فقال عمر : نعم إنا لله ؛ حينما صار يلي هذه الأمة أنا وأنت !
وحينما قال لوليه لما رآه مغتما بعد توليه الحكم : وكيف لا أغتم وليس أحد من هذه الأمة إلا وأنا أريد أن أصل له حقه دون أن يسألني أو يكتب لي فيه ؟!

وحينما ولي الخلافة بدأ بأهل بيته، فأخذ ما بأيديهم، فبدأ ببني أمية ؟! وسمّى أموالهم مظالم لأنها أُخذت بغير حق، ففزعت بنو أمية إلى عمته فاطمة بنت مروان فأرسلت إليه أني قد عناني أمر فأتته ليلاً فأنزلها عن دابتها فلما أخذت مجلسها قال: “يا عمة أنت أولى بالكلام” قالت: تكلم يا أمير المؤمنين قال: “إن الله بعث محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ رحمة ولم يبعثه عذابًا واختار له ما عنده فترك لهم نهراً شُربهم سواء ثم قام أبو بكر فترك النهر على حاله، ثم عمر فعمل عمل صاحبه ثم لم يزل النهر يشتق منه يزيد – ابن معاوية ـ ومروان – ابن الحكم ـ وعبد الملك – ابن مروان ـ والوليد – ابن عبد الملك ـ وسليمان – ابن عبد الملك ـ حتى أفضى الأمر إليّ وقد يبس النهر الأعظم ولن يروي أهله حتى يعود إلى ما كان عليه” فقالت: حسبك، فلست بذاكرة لك شيئًا ورجعت فأبلغتهم كلامه .

أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي القرشي (61هـ ، 681م – 101هـ ,720م)، هو ثامن الخلفاء الأمويين ولد سنة 61هـ في المدينة المنورة ونشأ فيها عند أخواله من آل عمر بن الخطاب، فتأثر بهم وبمجتمع الصحابة في المدينة وكان شديد الإقبال على طلب العلم. وفي سنة 87هـ ولّاه الخليفة الوليد بن عبد الملك على إمارة المدينة المنورة ثم ضم إليه ولاية الطائف سنة 91هـ، فصار والياً على الحجاز كلها ثم عُزل عنها وانتقل إلى دمشق فلما تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة قرّبه وجعله وزيراً ومستشاراً له ثم جعله ولي عهده فلما مات سليمان سنة 99هـ تولى عمر الخلافة.

مات عمر بن عبد العزيز ولم يكمل العقد الرابع من عمره ولكنه ملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلأت جورا وظلماً وكانت مدة خلافته سنتين وخمسة أشهر .

شاركنا الخبر

مقالات ذات صلة

إغلاق