كتاب واصل

الأطفال الجنود

كتبه : منصور ماجد الذيابي

كما ذكرت في عنوان سابق بعنوان ” التحولات الثقافية وتأثيرها في سلوك الانسان” فان صغار السن قد يتعرضون في وقت مبكر من مرحلة الطفولة الى جرعة زائدة من مصطلحات وعبارات مشتقة من ثقافة اجتماعية معينة يتشرب بها الصبية من خلال حثهم على التواجد في مجالس يحضرها الكبار ويتبادلون فيها أطراف الحديث وشرب القهوة العربية. وفي الحقيقة أن هذه المجالس الثقافية التقليدية لم تكن تخلو من وجود الصغار واليافعين حيث يلعب ويلهو هؤلاء الصبية بالقرب من هذه المجالس ويستمعون فيها الى قصص الغزو والمعارك والثورات وغير ذلك مما يدور ويطرح من قضايا في تلك المجالس.


يجد الصبية في تلك المجالس نوعا من التشجيع على دخول المجلس مبكرا للاطلاع على تقاليده وطقوسه ورواياته وأبطاله ما يجعل الصبية يقفون على مشارف واقع ثقافي تم فرضه عيهم كشرط مسبق لكسب احترام وتقدير صانعي القرار في تلك المجالس الأدبية والديوانيات التقليدية حيث يتفاخر الكبار بدخول ابناءهم في دهاليز هذه المجالس والاستماع الى خطابها الشديد في نبرته من حيث عدم القبول بالمصالحة والأخذ بالثأر واللجوء الى القوة البدنية في استرداد الحقوق والحصول على الغنائم وما الى ذلك. وهو خطاب كان يتصف بالحدة في تناوله لطرح قضايا اجتماعية والتعامل معها بما يقتضيه الموقف دون الأخذ بعين الاعتبار انعكاسات خطاب المجلس على قدرات عقل الطفل بما يشبه الصدمة الناتجة عن تلقي مفهوم تربوي لا يتناسب مع قدرات العقل التفاعلية لمرحلة عمرية معينة.


كان ذلك يحدث في الماضي البعيد ولكنه اليوم – في ظل التوعية والحراك العلمي والتربوي – يختفي تقريبا دون أن يتبدد بشكل كامل. ولعل من المناسب هنا أن أذكر بعض الأمثلة الحية على موضوع تلقي بعض الأطفال لنظريات محفزة للانقلاب على طبيعة الناشئين التي تميل الى الهدوء والمصالحة والتسامح مع الآخر. وكانت هذه المفاهيم تقدم لهم في المجالس على طبق من فضة حيث يتغذى الطفل بكم هائل من المفردات الثقافية المزعزعة لمستوى الفكر الى الحد الذي يصل الى درجة النزعة نحو تطبيق هذه المفاهيم والمصطلحات التي تنمو مع الأطفال سنة بعد سنة.
ومن ذلك ما نشاهده اليوم ونسمع به في اليمن من تجنيد مليشيات الحوثيين للأطفال والزج بهم في ساحات المعارك الحربية.

فهؤلاء الأطفال المدججين بالسلاح نراهم يخوضون غمار المعركة العسكرية بروح معنوية عالية ودون خوف أو وجل مما يحدق بهم من مخاطر. في تقديري أن أي منهم لم يكن مستعدا من حيث تكوينه البدني والعقلي للانخراط في تلك العمليات القتالية لو لم يعبأ هؤلاء الأطفال الجنود في مرحلة طفولية مبكرة بمفردات البيئة الثقافية للمليشيات الحوثية حيث بذرت هذه المفاهيم غير المناسبة لمرحلة الطفولة ونمت مع مرور السنوات حتى وصل فكر الطفل الى ما يشبه مرحلة المخاض قبل اكتمال نمو الوعي الادراكي لعواقب وتداعيات الأمور.


ولمزيد من الأمثلة، فاني أتذكر قبل سنوات طويلة حينما كنت أناقش أحد الشباب الصغار وقد قرر آنذاك ترك الدراسة مبكرا والاتجاه للبحث عن العمل في مجال التجنيد العسكري. فبادرته بالسؤال عن سبب دخوله لمجالات العمل قبل اكمال الدراسة، لاسيما وأنه من الطلاب المتفوقين دراسيا، فأجابني بسرعة وبكل عفوية: ” حتى أكون رجلا وأعتمد على نفسي”. فحاولت أن أوضح له بأنه أيضا رجل وهو على مقاعد الدراسة، وأن الخيار الأفضل هو العودة الى المدرسة، لكنه لم يأبه لما قلت ومضى في طريقه. وفي سياق الحوار مع هذا الشاب اليافع تذكرت عبارة تقال باللهجة العامية وكنا نسمعها نحن في المجالس باستمرار وتكرار، ألا وهي كلمة ” خلك رجال”.

ومما لا شك فيه أن هذا النموذج من الفتيان هو من بين جيل الأطفال الذين كان يتم الزج بهم في مجالس الكبار في حين كان الفارق الزمني في المرحلة العمرية يتجاوز الخمسين والستين عاما. وفي ذلك الزمن كان يتم تهيئة الصغار وبنفس هيئة اللباس الخاصة بالكبار. ولما كبر الصبية كبرت معهم هذه الكلمات وبقيت مستقرة بالذاكرة رغم مرور الأيام والسنوات. وحينما بلغوا السادسة عشر من العمر اندفعوا بشدة لتطبيق نظرية “خلك رجال” على حساب التعليم في المدرسة، وهي تلك النظرية التي تشربوا بها في مرحلة مبكرة من الطفولة. فلم يكن متاحا لهم الاستمتاع بمراحل الطفولة البريئة حتى النهاية.


ولذلك فان ثقافة المجتمع تكون أحيانا مسئولة مسئولية كاملة عن جنوح مسار بعضا من أفراد المجتمع الصغار نحو منعطفات فكرية لا تنسجم مع طبيعة المرحلة العمرية لاسيما عندما يكون هؤلاء الصغار في طور بناء الشخصية. ولذلك يتعرضون لمصطلحات وعبارات تتفاعل مع قدرة العقل الطفولي وتنتج بالتالي فكرا أكبر من عمر المتلقي لهذه المفردات الثقافية التي تغذى عليها منذ نعومة اظفاره. ومن هنا يجد الشاب الصغير نفسه تحت ضغط الثقافة المجتمعية الغير مقصودة ما يجعله يندفع باتجاه متاهة من المسارات الخاطئة والمضللة عن الوصول الى الهدف المنشود في الوقت المناسب.


هذه الحالة تشبه الى حد كبير قيام المزارع برش الأرض بالبذور في حقل زراعي مستخدما موادا كيميائية أملا في أن تنمو وتثمر قبل أن يحين موسم الحصاد.

شاركنا الخبر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق