كتاب واصل

رمضان .. دلالات ومعاني

كتبه : دلال راضي

يهل هلال رمضان فتحتفي الأرض بالسماء التي تنادي بأن أبواب الجنة قد فتحت وأبواب النار قد أغلقت وبأن الشياطين قد صفدت، فتتنزل الرحمات وتهب نسائم الخير في موسم من أهم مواسم الأعمال الصالحة والتعرض لنفحات الطهر والنقاء والصفاء والهدى والنور، وكيف لا يكون هذا وقد قال عز من قائل: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر )..

إنها أوامر إلهية بفريضة ربانية تربي النفوس وتزكيها فرمضان أخصب مواسم الطاعات والقربات من لم يجني فيه وينال من خيره وبركته فقد خاب وخسر فلابد لكل مسلم أن يستغل هذا الموسم بالإقبال على الطاعات والعبادات وتجنب الإنشغال عنها بسواها، وهل هناك ما هو أهم وأكبر من انشغال المسلم في رمضان بعتق رقبته من النار. 

الحديث عن فضل شهر رمضان يظل حديثا قاصرا لا يعطيه حقه كشهر اختاره الله من بين الشهور ليكون زمناً لفريضة الصوم، هذه الفريضة العظيمة والركن الهام من أركان الإسلام، ويكفينا دليلاً على أهميته الدينية الحديث القدسي الذي يقول فيه ربنا عز وجل على لسان نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام: ” كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به” ،، فالصوم ربما يكون العبادة الوحيدة التي تخضع للرقابة الذاتية ويتجلى فيها إخلاص العبد لربه، فهو عبادة غير مرئية للناس بالمطلق، فهي ليست ظاهرة الأداء كالصلاة أو الحج أو الصدقة، فالمسلم الصائم قادر على أن يأكل ويشرب دون أن يعرف أحد من الناس بذلك وما يمنعه عن هذا فقط هو إخلاصه لربه، فمجرد الرقابة الذاتية التي تمارس على النفس أثناء الصيام تربي هذه النفس على مراقبة الله سبحانه وتعالى في السر والعلن، كما أن قدرة الإنسان على لجم الشهوات وكبح جماح النفس طواعية يعوده على قوة الإرادة وتعزيز الثقة بالنفس وتعلم الصبر وينمي ذاته وقدراته ومهاراته المختلفة فأرقى مراتب الحرية هو الانعتاق من رق النفس وشهواتها ونزواتها، وبالتالي فالصيام مدرسة عالية القدرة والكفاءة على تأهيل وتطوير الذات وصنع شخصية المسلم المتزنة والمرنة والقوية والقادرة على مواجهة تحديات الحياة المختلفة.

الصوم فريضة ربانية يجب أن لا ننظر إليها نظرة تقليدية بعيدة عن ملامسة الجوانب الروحية والنفسية المتعلقة بها، فللصوم حكم وأسرار جليلة وعظيمة فما من عبادة توحد الناس على شعور واحد وحالة نفسية واحدة مثل الصوم فهو نظام نفسي اجتماعي روحاني يعمل على تنمية الرحمة في نفس الإنسان وتجعله يبحث في أعماقه عن معنى الفقر والحاجة فيشعر بجوع الآخرين وحاجتهم وهذا الشعور بحد ذاته هو قمة الارتقاء إلى قيمة إنسانية سامية هي الإخوة والمساواة.

إضافة إلى أن رمضان شهر مختلف كلياً عن أشهر السنة الأخرى في مظاهره الحياتية، فهو شهرٌ له طقوسه ومفرداته الاجتماعية ومميزاته وتنوع طرق إحياء الناس للياليه، فله أسماره وحكاياته وأهازيجه، فمن فانوس رمضان إلى المسحراتي، إلى المأكولات والمشروبات الخاصة بهذا الشهر، إلى تبادل الزيارات، وتنوع هذه العادات واختلافها من بلد إلى آخر، حتى طباع الناس تتغير في رمضان فنجد الأسر تجتمع والجيران والأقارب يتبادلون الزيارات، والبسمة تعلو وجوه الجميع والأغلب يتفقدون أحوال الفقراء والمساكين، مما يضفي على هذا الشهر روحانية عظيمة وراحة نفس كبيرة وبهجة وطمأنينة وسلام.

ورمضان كريم وكل عام وأنتم بألف خير

شاركنا الخبر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق