الرئيسية / كتاب واصل / أطفالنا في ظل تسامي اللغات الأجنبية

أطفالنا في ظل تسامي اللغات الأجنبية

بقلم أ/ عبد الفتاح بن أحمد الريس

عُـرف عن الأطفال بكثرة أسئلتهم ، ولهذا لم يستغرب ذلك الأب أسئلة طفلته التي كلما رأت شيئاً من أمامها سألت عنه ، فعندما دخلا أحد المولات سألته ما معنى مول ؟ ، فأجابها بأنها تعني مُجمع تجاري ضخم ، وعندما مرا بمحل بوفية سألته ما معنى بوفيه ؟ فأجابها بحسب فهمه الشخصي : عبارة عن متجر صغير يُحضّر فيه طعام خفيف في أقصر وقت ممكن ، فقالت له مثل أيش ؟ هكذا نطقت . فقال لها مثل السندوتش ، فسألته وما معنى سندوتش ؟ فقال لها بحسب ما أتـفـق عليه في المجمع اللغوي شاطر ومشطور وبينهما طازج ، هكذا باتت هذه الطفلة الفضولية تسأل ، وأبيها يجيب تباعاً . هذه المقدمة المقتضبة والحقيقية تقودنا للحديث بأن هذه المسميات الأجنبية وما يماثلها قد أخذت تتسامى في بلادنا لأكثر من ذي قبل في ظل العولمة التي نعايشها اليوم بمختلف صورها وابعادها ونحن هنا لسنا ضد من يستخدمها بصورة قطعية طالما أصبحنا جزءً لا يتجزأ من المنظومة العالمية شئنا أم أبينا غير أن ما أحزننا كثيراً هو ما نشاهده على أرض الواقع من أن هناك من بني عروبتنا من لا يحلوا لهم الحديث إلا بالتمثل بكلمات غربية حتى في غير مناسبتها بل وأن هناك من بعض أصحاب المحلات والمعارض التجارية من يعمدون إلى عنونة متاجرهم بأسماء أو ماركات أجنبية اعتقاداً منهم بأن هذا الاستخدام هو نوع من التحضر والتمدن والتطور والنيل من مكاسب مالية عالية في الوقت الذي يشير فيه مفكرون وباحثون غربيون إلى أن لغتنا العربية تُعد من أجلّ وأجمل وأفضل اللغات على وجه الأرض بل هي بمثابة ( حياة حقيقية )على حد قول العالم والمفكر مرجليوث المولود عام 1858م ( وهي مليئة لما أراد الله ايصاله لعباده ).بحسب رأي الأديب العربي محمد الحلبي ، ولمَ لا تكون كذلك ؟ وهي لغة القرآن الكريم وكلام الله رب العالمين كما في قوله تعالى ( قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون ) ناهيكم عن كونها غنية بالمترادفات والاشتقاقات والتراكيب والبدائل بالإضافة لتميزها بالأصالة والشمولية والسهولة في المعاني والتأثير ، وهو ما لا يتوافر في غيرها من اللغات الأخرى بدليل أن كلمة واحدة عربية تُكتب في إعلان تجاري مثلا تكفي لتحقق هدف معين بعكس فيما لو كُتب هذا الإعلان نفسه بكلمات غربية والذي بالكاد يحتاج إلى أكثر من كلمة لتوضيح معناه لشد انتباه الناس والواقع يشهد بذلك . تلكمُ هي لغتنا العربية التي يسعى بعض الناس في مجتمعنا العربي إلى تقويضها أو اهمالها بخلاف ما يفعله الغرب بلغاتهم من الاهتمام والمحافظة والاعتزاز ، فعنما سُـئـل الزعيم الانجليزي تشرشل عن السر في منع معلمي بلاده من ضرب تلاميذهم في حالة تقصيرهم باستثناء معلمي اللغة الإنجليزية أجاب بقوله : كيف يكون الفرد منهم انجليزياً ما لم يتقن هذه اللغة الأم ، بينما نحن نترك لغتنا الجميلة ونتبعهم حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلناه كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإلا ما الداعي لأن نستخدم : سوبر ماركت أو مول بدلا من السوق المركزي أو التجاري ، وكتشن بدلاً من مطبخ ، وديس كاون بدلا من تخفيض ، وكاشير بدلا من محاسب ، وأوكي بدلا من حسناً . ربما يقول قائل بأن هناك أجهزة وتقنيات تحتاج لتلكمُ اللغات الأجنبية لا سيما فيما يتعلق ببعض البرامج التي وضعها الغربيون أنفسهم كمصنعين لهذه الأجهزة ولا بديل عنا في لغتنا العربية ، وغيرها من الاستخدامات الأخرى في اللقاءات والمحافل الدولية . نقول له لا بأس في ذلك ، ولكن ينبغي ألاّ يكون على حساب لغتنا العربية الأم ، والتي تجد وللأسف الشديد الكثير من الإهمال وعدم الاهتمام والحرص على استخدامها بطريقة صحيحة وبما يليق بمقامها كما هو حاصل ومُـشاهد اليوم لدى بعض طلبة مدارسنا وجامعاتنا حيث تفتقر كتاباتهم لوضوح المقصود أحياناً فضلا عن رداءة الخط والأخطاء الاملائية بالإضافة لما يقع من مثلها في بعض الخطابات الرسمية وخصوصاً في المجال التعليمي ولا فض الله فاه شاعرنا العربي حافظ إبراهيم حينما قال :
أيهجـرني قـومي عـفا الله عنهم * إلى لـغـة لـم تـتـصـل بـلغـات أرى لرجال الغرب عزاً ومنعة * وكـم عـز أقـوام بـعـز لـغـات .
بقي أن نقول في الختام بأن لغتنا العربية ستظل باقية ما بقي القرآن الكريم ، وجميلة ورائعة بكل المقاييس وبالتالي لا غرابة وهي تصبح ضمن اللغات الرسمية الرئيسة لهيئة الأمم المتحدة منذ عام 1973م ، وليس هذا فحسب ، وإنما خـُـصص لها يوماً عالمياً للاحتفال بها يوافق 18 ديسمبر ، فلنحافظ جميعاً على لغتنا العربية كما يحافظ غيرنا على لغاتهم من كافة الوجوه اللازمة لها تعلماً وتطبيقاً واستخداماً ودفاعاً عنها لأنها من ديننا على حد قول الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله : تعلموا العربية فإنها من دينكم .، وأن نجعل من انتمائنا إليها كهوية لعروبتنا مصدر عز وفخر وتلاحم وقوة راسخة أمام كل المتغيرات والتحديات العصرية والمصيرية.

عن ابراهيم العنزي ‬

mm
"نائب رئيس التحرير" ومستشار اعلامي للمجلس العربي للشعراء والأدباء والمثقفين العرب للتواصل 0565143000 @ (تويتر) "صوت تبوك" r99331401

شاهد أيضاً

نظام الجامعات الجديد !

قضايا عديدة يمكن للجامعات النظر بشأنها واتخاذ ما يلزم ضمن النظام الجديد الذي يهدف لتحقيق …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لتحميل النسخه الكامله اضغط هنا